إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

ثورة العشرين ودورها في تأسيس الدولة الطائفية*

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


الفصل الخامس

ثورة العشرين ودورها في تأسيس الدولة الطائفية

مقدمة
كما بينا في فصل سابق، كان البريطانيون يعتقدون قبل إقدامهم على احتلال العراق في الحرب العالمية الأولى، أن الشيعة سيستقبلون قواتهم بالأحضان والورود، لأنهم كانوا من أكثر المستفيدين من هذا الاحتلال أو التحرير. وقد بنى الإنكليز اعتقادهم هذا على أساس أنه طالما كان شيعة العراق هم أكثر من تعرض للظلم والاضطهاد خلال الحكم العثماني وعلى أساس طائفي، وحتى عدم الاعتراف بمذهبهم، ومعاملتهم كمنحرفين عن الإسلام الصحيح، أو حتى اعتبارهم كمشركين.

ولكن خاب ظنهم، لماذا؟ لأن هذا التفكير البريطاني رغم عقلانيته، ولأنه يوافق المنطق السياسي حول السعي وراء المصالح الدنيوية، ولكنه كان يختلف كلياً عن ذهنية رجل الدين، وبالأخص الشيعة منهم حيث لهم منطقهم الخاص وطريقتهم المختلفة في التفكير، إذ كان رجال الدين في معظم الأحيان يضحون بمصلحة أبناء طائفتهم الدنيوية في سبيل الإسلام والمصالح الأخروية وفق معتقداتهم الدينية، واعتبار الدولة العثمانية إسلامية يجب مساندتها وإن كانت ظالمة، مقابل الانكليز "الكفار" الذين يجب محاربتهم حتى ولو كانوا عادلين.

ولذلك فوجئ الإنكليز بحرب الجهاد من قبل العشائر العربية الشيعية وبقيادة زعماء الدين ورؤساء العشائر. كذلك أشرنا في الفصل السابق عند حديثنا عن حرب الجهاد، أن هناك "نتائج غير مقصودة لأفعال مقصودة". والحقيقة أن معظم التاريخ هو نتاج ثانوي by-product، أي غير مقصود. ومن هذا النتاج الثانوي لحرب الجهاد نشوء الوعي الوطني الذي حفَّز على القيام بثورة العشرين التي كان من بين أهدافها طرد المحتلين البريطانيين وتأسيس دولة عراقية ذات سيادة كاملة.
ليس القصد هنا سرد تفاصيل الثورة**، وإنما التطرق إلى دورها في تأسيس الدولة العراقية الحديثة من قبل الإنكليز وعلى أساس التمييز الطائفي ضد الشيعة. وسنحاول قدر الإمكان تجنب الأسلوب الخطابي في التمجيد أو الذم لهذه الثورة، إذ كما حذر الدكتور علي الوردي قائلاً: "الملاحظ أن معظم الدارسين لهذه الثورة من الكتاب العرب اتخذوا في كتاباتهم أسلوب "التمجيد" و"الحماس" حيث رأيناهم يميلون إلى التأكيد على الجوانب الحسنة من الثورة، ويبالغون فيها، بينما هم يغضون النظر عن الجوانب السيئة أو يحاولون تبريرها".(1)

البدايات
وقَّع العرب، بقيادة الشريف حسين (شريف مكة) وأولاده، اتفاقاً مع فرنسا وبريطانيا على طرد الأتراك من البلاد العربية وقيام دولتهم المستقلة، ولكن الحلفاء كانوا قد عقدوا سراً معاهدة (سايكس- بيكو) عام 1916، التي نصت على تقسيم بلاد الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا وبموافقة روسيا القيصرية. ولما انتصرت الثورة البلشفية في روسيا، نشر فلاديمير إيليج  لينين وثائق الخارجية الروسية ومن بينها مشروع إتفاقية سايكس- بيكو، وكشف الظلم الذي لحق بالشعوب العربية من جراء هذا الاتفاق.
وبعد معاهدة سايكس- بيكو، جاءت مقررات سان ريمو التي أعلنت في أوربا في 25 نيسان 1920، والتي قضت بأن يكون العراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، وسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. وقد وصلت هذه المقررات إلى أرنولد ويلسن (الحاكم البريطاني في بغداد) في 1 أيار، فأوعز ويلسون بنشرها في العراق كما أصدر معها بلاغاً عاماً يشرح للناس معنى الانتداب ويحببه إلى قلوبهم معتقداً خطأً أن العراقيين سيرحبون بالانتداب البريطاني.(2)

في الحقيقة، كانت هناك مدرستان في التفكير لدى البريطانيين حول مصير العراق بعد احتلاله، الأولى تتمثل في جماعة (مكتب القاهرة)، وكان برسي كوكس من هذه المدرسة التي ترى منح العراق استقلاله والانسحاب منه تدريجياً، وجماعة أخرى من البريطانيين في الهند (المكتب الهندي)، كانت ترى العكس، وكان أرنولد ويلسون، حاكم العراق أيام الثورة، من هذه المدرسة، وكما يقول علي الوردي في هذا الخصوص: " لقد كان هؤلاء الإنكليز المعارضون لخطة كوكس متشبعين بما يسمى برسالة الرجل الأبيض في تمدين الشعوب، فقد كان رأيهم أن العراقيين لو أتيح لهم الاستقلال التام في حكم أنفسهم لأكل بعضهم بعضاً، ولهذا أصبح من واجب بريطانيا أن تستمر في حكم العراق مدة كافية إلى أن يتعود العراقيون على الحياة المدنية الحديثة ويتركوا عاداتهم القبلية القديمة في الغزو والثأر وسفك الدماء..."(3)

ليس هذا فحسب، بل كان يعتقد البعض أنه كان في نية المدرسة الأخيرة أكثر من ذلك، أي حكم العراق حكماً استعمارياً استيطانياً، وفصل البصرة عن العراق وربطها بالهند، وجلب عدة ملايين من الهنود إلى العراق لتهنيده، وتغيير ديموغرافيته، وعزله عن البلاد العربية، واعتباره بلداً غير عربي، وتسمية خليج البصرة (العربي لاحقاً) بالخليج الإنكليزي- الهندي(4). ورداً على هذا المخطط الاستعماري، إلى جانب الأسباب الموضوعية الأخرى، انفجرت الثورة العراقية الكبرى التي انطلقت رصاصاتها الأولى في 30 حزيران/يونيو 1920 من قبل عشائر بني حجيم في الرميثة بلواء (محافظة) الديوانية على أثر قيام الحاكم البريطاني بتوقيف زعيمهم الشيخ شعلان أبو الجون.

مراحل الثورة
يقول علي الوردي أن الثورة مرت في مراحل ثلاث: أولاها تتمثل في الأحداث التي مهدت للثورة وهي الأحداث التي جرت في بغداد وكربلاء ودير الزور وتلعفر والموصل، والثانية تتمثل في الثورة المسلحة التي انطلقت في الرميثة في الثلاثين من حزيران 1920 ثم عمت منطقة الفرات الأوسط. أما الثالثة فتتمثل في انتشار الثورة في مناطق العراق الأخرى كديالى والغراف وغيرهما. (والجدير بالذكر، أن الثورة الكردية حصلت عام 1919 بقيادة الشيخ محمود الحفيد في كردستان العراق ضد الاحتلال البريطاني فتم القضاء عليها ونفي الشيخ محمود). وتعد الثورة في منطقة الفرات الأوسط بمثابة العمود الفقري لثورة العشرين كلها. ففي هذه المنطقة حصلت الانتصارات الكبرى للثورة، كما إن هذه المنطقة هي التي تحملت العبء الأكبر من التضحيات في الأنفس والأموال، وصمدت للقتال فترة طويلة نسبياً (نحو ثلاثة أشهر). أما المناطق الأخرى التي انتشرت الثورة فيها بعدئذ، فلم تكن ثورتها سوى صدى لثورة الفرات الأوسط. وقد تمكن الإنكليز من القضاء عليها بسهولة وفي خلال وقت قصير.(5).
كما وأصدر المرجع الديني الشيعي الميرزا محمد تقي الشيرازي، فتوى أجاز بها الثورة المسلحة تسمى بـ "الفتوى الدفاعية"، وهذا نصها: "مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الانكليز عن قبول مطاليبهم".(6)

ومن هنا نعرف أن الثورة كانت بدفع، وتخطيط، وتحريض، وفتاوى المرجعية الدينية الشيعية بالتحالف مع العشائر الشيعية وشيوخها في الوسط والجنوب التي قدمت من الضحايا حسب ما قدَّرها الجنرال هالدين، أحد القادة العسكريين البريطانيين آنذاك، بـ 8450 بين قتيل وجريح، مستنداً في تقديره هذا على عدد القتلى الذين عُثرَ على جثثهم، وعلى التقارير الواردة من مختلف المصادر، وعلى سجلات الدفن في كربلاء والنجف. ومعظم الخسائر كانت من عشائر منطقة الفرات الأوسط، وهذا عدد كبير في تلك الفترة التي كان عدد نفوس العراق نحو مليونين ونصف المليون نسمة.(7)

أهداف الثورة
أهداف الثورة هي: الاستقلال التام للعراق، والدفاع عن عروبته، وقيام حكم دستوري، ديمقراطي، برلماني مستقل كما هو واضح من جميع الوثائق المدونة عن الثورة. ويعود ذلك إلى أن الإنكليز أنفسهم ساهموا في إثارة النزعة الوطنية وحب الاستقلال والحرية في العراقيين حينما وعدوهم بأنهم جاؤوا محررين لا فاتحين.

وفي هذا الصدد، يروي الكابتن مان Mann عن اجتماع ضمه مع جمع من شيوخ العشائر، أن السيد علوان الياسري، أحد قادة الثورة، خاطبه في إثناء ذلك الاجتماع قائلاً: "نحن عشنا قبل هذا مئات السنين في وضع بعيد جداً عن الاستقلال، ولكنكم جئتم إلينا أخيراً فأعطيتموننا وعوداً بالاستقلال. فأنتم عرضتم فكرة الاستقلال في وقت نحن لم نطلبه منكم، ولم نكن نحلم به حتى جئتم  فوضعتم الفكرة في رؤوسنا والآن في كل مرة نطالبكم بالاستقلال تسجنوننا".(8)
ولا ننسى أن بعض رؤساء العشائر التحقوا بالثورة من أجل الغنائم والسمعة، وآخرون انتموا إليها مرغمين تحت تأثير ضغط الرأي العام، إذ هم يخشون أن تلصق بهم تهمة "الكفر"، وهؤلاء لعبوا دوراً في تثبيط العزائم فيما بعد بدعوى "الحكمة" و "التعقل" وإلى إلقاء السلاح قبل فوات الأوان.(9)

على أي حال، لقد كلفت الثورة الإنكليز ثمناً باهظاً في الأرواح والأموال مما اضطرهم إلى إعادة النظر في حساباتهم وتغيير مخططاتهم رأساً على عقب، واتخاذ موقف جديد من مستقبل العراق، فبدلوا مخططاتهم من الحكم المباشر الاستيطاني للعراق إلى تشكيل حكومة أهلية فيه، على أن يحكم الإنكليز من وراء الكواليس كمستشارين. لذلك ساهمت ثورة العشرين في عداء الإنكليز ضد الشيعة، والعزم على معاقبتهم والانتقام منهم، وذلك بحرمانهم من حقوق المواطنة الصحيحة في الدولة الوليدة، وعدم مشاركتهم في السلطة استمراراً لما كان متبعاً في العهد العثماني. وقد لاقت هذه السياسة الرضا والترحيب من قبل النخبة العسكرية والمدنية العراقية التي كانت تخدم الحكم العثماني، وبعد انهيار الدولة العثمانية انضمت هذه الجماعة إلى الشريف حسين، وقد لعبوا فيما بعد دوراً مهماً في توجيه سياسة الدولة الفتية ووجهوها وجهة طائفية وساهموا سلباً في مستقبل العلاقة بين مكونات الشعب العراقي.

دور الضباط الشريفيين
المقصود بالضباط الشريفيين هو الضباط العراقيون من خريجي المدارس العسكرية العثمانية وخدموا في الجيش العثماني، ثم انضموا إلى الشريف حسين وأبنائه إبان الثورة العربية عام 1916. وهؤلاء هم الذين هيمنوا على الدولة العراقية في العهد الملكي.

يقول وميض عمر نظمي، نقلاً عن وثيقة بريطانية: "إن الضباط القوميين في جمعية العهد الذين كانوا يقيمون في الشام، بعد فشل الثورة العربية (بقيادة الشريف حسين)، تطوعوا بإمرة القوات البريطانية لمقاتلة الثوار في الفرات الأوسط. فأوعزوا إلى أحد أعضاء الجمعية وهو (ثابت عبد النور) للاتصال بوزارة الخارجية البريطانية، عارضاً عليها "إن جمعية العهد يمكن أن تقدم مساعدة قيمة للإنكليز في تهدئة الأوضاع ما بين النهرين". ومع ذلك وبالرغم من اللحظات الدقيقة التي كانت تمر بها السلطات البريطانية في العراق، فقد رفضت هذا العرض. وكان رأي ولسن وكيل الحاكم الملكي البريطاني في العراق "أن هؤلاء السادة- الضباط العراقيين- يرغبون في جذب انتباه الحكومة البريطانية إلى أنفسهم، بأمل أن تؤدي تهدئة الوضع الراهن في الفرات، إلى حصولهم على مناصب جديدة، في ظل الإدارة العراقية". ويضيف: "وكان نوري السعيد قد كتب في الأول من أيلول عام 1920 خلال الثورة انه يضع نفسه للمرة الثانية تحت تصرف المندوب السامي."(10)

شهادات بحق ثورة العشرين
هناك اعترافات وشهادات من قبل الحكام الإنكليز وعراقيين في العراق على أهمية ثورة العشرين، ودورها في تأسيس الدولة العراقية، إذ تقول المس بيل في أوراقها بهذا الخصوص: "لم يكن يدور بخلد أحد ولا حكومة صاحبة الجلالة، أن يمنح العرب مثل الحرية التي سنمنحهم إياها الآن كنتيجة للثورة".(11) 11- وميض عمر نظمي، نفس المصدر، ص399.
ويقول ناجي شوكت في مذكراته عن أهمية الثورة: "في اعتقادي انه لولا هذه الثورة العراقية الكبرى، لما استطاع العراق أن يحصل حتى ولا على شبه استقلال، ولا كان من الممكن أن يدخل عضواً في عصبة الأمم، إلى جانب الدول العظمى، التي كانت تتمتع  بهذه العضوية. فالعراق الذي أصبح أول دولة عربية مستقلة واحتل مقامه بين دول العالم، في الوقت الذي لم يكن هناك أي بلد عربي يحلم بالاستقلال، إنما هو مدين لثورته الكبرى هذه".(12)

إنبعاث التقارب الطائفي
كما ذكرنا آنفاً، أن الثورة بدأت في الفرات الأوسط، وبتحريض من علماء الشيعة ونفذتها العشائر الشيعية، ولكن لا يعني هذا أن البعض من علماء وشخصيات أهل السنة لم يشاركوا فيها. في الحقيقة إن حرب الجهاد وثورة العشرين قد نجم عنهما أمران أساسيان و في منتهى الأهمية، هما: إنبعاث روح الوطنية والقومية، والتقارب المذهبي. وبذلك توفرت للشعب العراقي فرصة ذهبية ولأول مرة في التاريخ، لنشوء الولاء الوطني، ومنحه الأولوية على الولاءات الثانوية: الدينية، والطائفية، والعشائرية.

لقد كان هناك عدد غير قليل من رجال الدين والشخصيات الوطنية من أهل السنة ساهموا مساهمة فعالة جنباً إلى جنب إخوانهم الشيعة. وبهذا الخصوص يعلق الأستاذ حسن العلوي على دور فقهاء الشيعة في الثورة ومساهمات أهل السنة فيها، فيقول: "وقد طبع هؤلاء الفقهاء الحركة الوطنية بطابعهم، حتى أوشكنا أن نستخرج ما يشبه القانون السياسي… إن الوطنيين السنة كانوا يتلمسون لهم مكاناً بين القواعد الشيعية، أو بين زعماء ثورة العشرين، وهو الوسط الطبيعي والبيئة المناسبة لنمو نشاطهم المعادي للاستعمار والاحتلال، حتى ظهر معظم هؤلاء الوطنيين السنة وكأنهم من أبناء الشيعة. بينما أصبح فيما بعد الانتهازيون من "أبناء الشيعة" والذين لم يقفوا مع القوى الوطنية يتلمسون لهم مواقع بين زعماء السنة أملاً في السلطة وطريقاً للنفوذ والوجاهة."(13)

وكان هناك عدد من الفقهاء السنة الذين انضموا للثورة ومنهم مفتي الموصل الفقيه الشاعر محمد حبيب العبيدي الذي ساهم بكل ثقله الوطني في دعم ثورة العشرين، فكتب قصائد شعرية تبدو وكأنها جزء من التراث الشيعي، ومنها هذه الأبيات(14):
أيها الغرب جئتَ شيئاً فريّا ...... ما علمنا غير الوصي وصيّا
قسماً  بالقرآن و   الإنجيل ...... ليس نرضى وصاية   لقبيلِ
أو تسيل الدماء مثل السيولِ ..... أ فبعد الوصي زوج  البتولِ
نحن نرضى بالإنكليز وصيا؟
قد أريقت دماء خير قتيل ......أ فبعد الحسين سبط الرسولِ
نحن نرضى بالإنكليز وصيا؟
وكان خليل عزمي قد أنشد قصيدة من نظمه عندما رفع الثوار العلم العربي فوق مبنى حكومة كربلاء إثناء الثورة، قائلاً وقد اعتقد أن كربلاء قد حققت أهداف الحسين فما عاد لها حق في البكاء، بعد قيام الإدارة الوطنية العربية الإسلامية فيها:
بشراك كربلا قومي انظري العَلَما ......على ربوعك خفاقاً ومبتسما
وكفكفي دمعك الهطال وابتهجي ......  فإن بند بني قحطان قد حكما

ننقل هنا مقتطفات من كتاب العلامة علي الوردي حول هذا التقارب الطائفي، إذ قال:
"استفحل التقارب الطائفي في النصف الثاني من رمضان بشكل لم يسبق في العراق له مثيل من قبل. وقد اتضح ذلك بوجه عام عند مجيء وفد من الكاظمية لحضور حفلات بغداد إذ كان الوفد يأتي إلى بغداد بعربات الترامواي وعلى رأسه السيد محمد الصدر، فإذا قاربت العربات أول الدور من بغداد خرج لاستقبالها أهالي الجعيفر والسوامرة والتكارتة وغيرهم يحملون الشموع ويهللون ويكبرون. وإذا وصلت العربات المحطة كان في استقبالها جمهور غفير من  أهل بغداد وفي مقدمتهم أحمد الشيخ داود أو غيره من علماء السنة، فيتعانق الشيخ والسيد عناقاً أخوياً كرمز للتآخي بين الطائفتين، وعند هذا يعج الجمهور بالصلاة على محمد وآل محمد!
ويحدث مثل هذا حين يذهب وفد الأعظمية إلى الكاظمية، أو فد الكاظمية إلى الأعظمية.
 كما وحدثت في الكرخ حيث تألف موكب اللطم من محلتي السوامرة والتكارتة، ومحلة الشيخ بشار للمشاركة في العزاء، ويقال أن بعض اللاطمين أصيبوا في اليوم التالي بألم في صدورهم لأنهم لم يتعودوا على لطم الصدور من قبل.
وكتبت جريدة (الاستقلال) في هذه المناسبة تقول: أن المآتم الحسينية اشترك فيها هذه السنة جميع المسلمين، فكنت تشاهد فوجاً من الشيعة ومعه أفواج من أهل السنة، كما تشاهد مشعلاً للشيعة ومعه أضعافه لأهل السنة. وفي اليوم العاشر من محرم ذهب الجميع إلى الكاظمية للاشتراك في الواقعة.(15)

ولكن هذا التقارب الطائفي لا يعني أن الجميع كانوا راضين عنه، إذ ذكرت المس بيل في أحد تقاريرها السرية البعض من هؤلاء ومن بينهم، سليمان فيضي الذي قال لها ما نصه: "أنتم لا يمكن أن تتركوا الأمور تجري على هذا المنوال الذي تجري عليه الآن... " ويضيف: "ويمكن أن أقول استطراداً أن هذا الاتحاد المتباهي بين الشيعة والسنة هو من أبغض الأمور إلى نفسي، ويجب أن أعتبر سيطرة الشيعة كارثة لا يمكن تصورها".(16)

أما السيد عبدالرحمن النقيب فقد قال لمس بيل في حديثه معها جاء فيه: "خاتون، أن أمتكم أمة عظيمة وثرية قوية، فأين قوتنا نحن؟ وإنني إذ أقول مثل هذا القول أريد أن يدوم حكم الانكليز، فإذا أمتنع الإنكليز عن حكمنا فكيف أجبرهم على ذلك؟... وإنني أعترف بانتصاركم، وأنتم الحكام وأنا المحكوم.... ". ثم تطرق إلى الشيعة فأخذ يذمهم ذماً قبيحاً إذ قال: "إن أبرز صفة تميِّزهم هي الخفة، فهم أنفسهم قتلوا الحسين الذين يعبدونه الآن كما يعبدون الله. فالتقلب والوثنية تجتمعان فيهم فإياك أن تعتمدي عليهم".(17)

الثورة تسبب عداء الإنكليز للشيعة
ولمعاقبة قادة الثورة، ومكافأة الذين وقفوا ضدها من العراقيين، يقول الميجر ديكسون وهو بمثابة الحاكم العام للفرات الأوسط: "إن النية يجب ان تتجه لتعيين الرجال ذوي الآراء المعتدلة دون غيرهم في المناصب السياسية، وضرب واضطهاد عناصر الثورة في حالة وجودها". كما و أوضحت المس بل وبانفعال شديد موقفها من الشيعة بالذات قائلة: "أما أنا شخصياً فأبتهج وأفرح أن أرى الشيعة الأغراب يقعون في مأزق حرج. فإنهم من أصعب الناس مراساً وعناداً في البلاد"(18)
ومن هنا نعرف أن الثورة أثارت مشاعر العداء والضغينة عند الإنكليز ضد الشيعة ولم يحاولوا إخفاءها. كما ولاحظ استخدام المس بيل لكلمة (الأغراب) في وصف الشيعة إذ منذ ذلك الوقت بدأت حملة اعتبار الشيعة أجانب في العراق لتبرير حرمانهم من حق المشاركة في الدولة.

ولم يكتف الإنكليز بزرع لغم الطائفية في الدولة الحديثة عند تأسيسهم لها، بل عملوا على تكريس تهمة الطائفية ضد كل من يشكو منها، إذ يقول الدكتور سعيد السامرائي في عقدة الاتهام بالطائفية في كتابه القيم (الطائفية في العراق) ما نصه: "من ضمن الخطة التي وضعها الإنكليز لتدمير نفسية الشيعة العراقيين عندما أسسوا الدولة العراقية مجبرين، نتيجة للثورة العراقية التي فجرها وقادها وتحمل معظم تضحياتها الشيعة عام 1920، هي محاصرتهم بتهمة الطائفية، وذلك كي يردوا بمحاولة نفيها. ومحاولة النفي هذه ستكون أولاً: بتقديم آيات الولاء للدولة السنية بمختلف الوسائل التي في أبرزها التحيّز ضد الشيعي في التعيينات والترقيات والترشيحات والإيفادات والبعثات وصولاً إلى مشاركة الدولة وطاعتها بما تقوم به من اضطهاد طائفي ضد الشيعة أنفسهم، وثانياً: بالوقوف ضد كل شيعي يرفع صوته صارخاً بالمظلومية الواضحة للشيعة خشية أن تثبت تهمة الطائفية لأنهم قد أدخلوا في روعهم أن طلب الإنصاف هو تحيّز مذهبي".(19)

ويضيف الدكتور السامرائي في هذا الصدد في مكان آخر من كتابه قائلاً: "ولو كان حبس المظلوم لصرخته فائدة للمجتمع بحيث يصبح التنازل عن حقه في التعويض وقصاص الظالم المعتدي أمراً محبذاً وجالباً للشكر من المجتمع، فهل سيبقى كذلك إذا ما أصبح تكريساً لواقع الظلم الشاذ في المجتمع إلى الوراء عقوداً من الزمن، وصار الظلم يمارس وكأنه حق مكتسب للظالم وأمر مقبول في المجتمع، ومن ثوابته المتعارف عليها؟... وكيف يمكن تصحيح الأوضاع الشاذة في المجتمع إذا لم نضع أيدينا على الجرح وتشخيص الأسباب والواقع والجذور وكل ما يتعلق بالظلم الذي وقع كي نشرع بمحاولة منع حصوله ثانية؟ ... وهكذا يصبح من يمارس أبشع أنواع القمع والتمييز الطائفي بريئاً من تهمة الطائفية في حين يصير الشيعي الذي يصرخ متظلماً مما حل به طائفياً."(20)

على أي حال، قرر الإنكليز تشكيل حكم أهلي في العراق وإعطاء المناصب لأولئك الذين ناصبوا الثورة العداء. فقد تأسس الحكم الوطني أو الأهلي في العراق عام 1921 بتخطيط من الحكومة البريطانية، واختير السيد عبد الرحمن النقيب رئيساً للحكومة الأهلية الأولى، مكافئة لإخلاصه للمحتلين، إذ ينقل المؤرخ مير بصري عن النقيب قوله: "إن الإنكليز فتحوا هذه البلاد وأراقوا دماءهم في تربتها، وبذلوا أموالهم من أجلها، فلا بد لهم من التمتع بما فازوا به".(21)

موقف الدولة الوليدة من المرجعية الشعية
إن حرب الجهاد وثورة العشرين قد بينتا بوضوح ما للمرجعية الدينية الشيعية من نفوذ قوي في البلاد وتأثيرها الروحي على الجماهير. فكلمتهم مسموعة وبذلك كانوا يشكلون خطراً على سلطة الاحتلال، ومن بعدها على سلطة الحكم الأهلي، إذ يقول الباحث إسحاق نقاش في هذا الخصوص: "وكان وجود مؤسسة دينية (شيعية) على هذا القدر من الاستقلال والنشاط السياسي، يشكل خطراً على السلطة العراقية الوليدة. لذا سعت الحكومات السنية العراقية المتعاقبة إلى اجتثاث سلطة المجتهدين الشيعة والمؤسسات الشيعية في البلاد والحد من الصلات القائمة بين النجف وكربلاء وإيران."(22)

ومن هذه الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، إسقاط الجنسية العراقية عن الشيخ مهدي الخالصي، أحد قادة ثورة العشرين، ونفيه إلى إيران بأمر من وزير الداخلية محسن السعدون في حكومة ناجي شوكت. وقد بلغت عملية الاجتثاث الذروة في عهد حكم البعث حيث بدأت عملية قتل رجال الدين الشيعة كما حصل للسادة: مهدي الحكيم، والشيخ عارف البصري، ومحمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى، ومحمد صادق الصدر، وغيرهم من رجال الدين الأقل مرتبة في تراتبية الشيعية.

وهكذا نلاحظ أن هناك علاقة جدلية بين الاستعمار البريطاني وتأسيس الدولة على أسس طائفية في العراق، إذ كما يقول حسن العلوي: "…وقد يكون صحيحاً ان "المسلمين" استعانوا بالاستعمار لتحقيق أهدافهم الطائفية، كما استعان الإستعمار بالطائفيين لتحقيق أهدافه. وقد يكون عبد الرحمن النقيب ورجال السلطة العراقية، هم المثال الصارخ على استعانتهم بالإنكليز واستعانة الإنكليز بهم.(23)

تقييم الثورة ونتائجها
يرى البعض من علماء الاجتماع، ومنهم العلامة علي الوردي، أن الشعب العراقي كان في حالة ثورة دائمة ضد الحكومات المتعاقبة طوال التاريخ، وخاصة خلال الحكم العثماني الذي دام نحو أربعة قرون، وأن ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني كانت واحدة من تلك الثورات، ولكنها اختلفت عن سابقاتها في كونها ضمت عدداً كبيراً من العشائر العراقية ورجال الدين وأهل المدن، ولأهداف وطنية.
وبعيداً عن التزلف في مداراة المجتمع، ومجارات الرأي العام السائد، أرى أن ما قام به الشيعة من حرب الجهاد وثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، كان خطأً، لأنه لم يكن في صالحهم ولا في صالح الشعب العراقي بصورة عامة، إذ لم يكن أهل العراق آنذاك مؤهلين لقيادة الدولة وإدارة مؤسساتها، فكما ذكرنا آنفاً عن أحد المفكرين الإنكليز قوله أنه "لو حكم العراقيون آنذاك، لأكل بعضهم بعضاً" وهذا ما حصل فيما بعد. ولذلك فأنا أعتقد أن الاستعمار الأوربي للبلدان المتخلفة كان ضرورياً في مرحلة من مراحل التاريخ، وذلك لنقل الحضارة الحديثة إلى شعوبها، ومن ثم منحها الاستقلال. ولو حصل هذا في العراق لما بنيت الدولة العراقية على أسس طائفية.
 
ولكن من الجانب الآخر، من الظلم أن نحكم على أية ثورة بعقلية اليوم، فالتاريخ لا يسير وفقاً لمنطقنا ورغباتنا على ضوء أحكام عصرنا الحاضر، فالأمور مقرونة بأوقاتها، كذلك، وكما قال ماركس: "يصنع الناس تاريخهم بأنفسهم، ولكن النتائج غالباً تكون على غير ما يشتهون".
ويقول علي الوردي بهذا الصدد عن ثورة العشرين: "الواقع أن ثورة العشرين في انتصارها وهزيمتها لم تخضع لإرادة أحد من البشر، بل هي جرت تبعاً للظروف التي أحاطت بها. إن الإنسان في معظم أحداث التاريخ يجري وفق ما تملي عليه ظروفه كأنه الريشة في مهب الريح بينما هو يحسب أنه كان في ذلك حراً مختاراً."(24)

على أي حال، ووفق منطق اليوم، أعتقد أنه كان من الأفضل لو لم تندلع هذه الثورة وقبلها حرب الجهاد التي كلفت العراقيين كثيراً، وكان من مصلحتهم لو استمر الإنكليز في حكم العراق فترة أطول إلى أن يتدرب العراقيون على الحكم ويتم نقلهم إلى الحضارة الحديثة ويتخلصوا ولو نسبياً من بعض مفاهيمهم وقيمهم البدوية، وبمساعدة البريطانيين لهم، ومن ثم تتأسس الدولة في وقتها المناسب، وبعد أن تهيأت لها الظروف الموضوعية، وتدربت طلائع الشعب على الحكم، وإدارة مؤسسات الدولة مع نبذ الطائفية.
لقد أرغمت الثورة الإنكليز، ولتقليل خسائرهم، إلى اتخاذ موقف معادي من الشيعة، وتأسيس الدولة العراقية الحديثة بتسرع، وزرعوا فيها ألغام الطائفية الموقوتة لتتفجر فيما بعد وعلى مراحل، وذلك باحتكار السلطة لمكونة واحدة من الشعب وحرمان بقية المكونات من المشاركة العادلة، لضمان ولاء الحكام للإنكليز، مقابل كسب دعم الإنكليز للحكام في إبقائهم في السلطة، وليس دعم الشعب الذي لا يأتي إلا من خلال النظام الديمقراطي الحقيقي ودولة المواطنة المتساوية. وبذلك عاقبوا قادة ثورة العشرين وأجيالاً من أبناء طائفتهم من حقوق المواطنة والمشاركة في دولتهم الوليدة التي لولا ثورتهم لما تأسست في ذلك الوقت المبكر وبنزعة طائفية.
وهذا يذكرنا بمقولة فرنسية في هذا الخصوص: "يقود الثورة الشجعان، ويموت فيها المجانين، ويقطف ثمارها الجبناء".
وقد آن الأوان للعراقيين أن يتعلموا من تاريخهم المرير، ويأخذوا منه الدروس والعبر في تصحيح ما أفسده الدهر.
ــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1- علي الوردي، لمحات اجتماعية، ج5، حول ثورة العشرين، القسم الأول، ص 3، دار كوفان للنشر- لندن، ط2، عام 1992 
2- علي الوردي، نفس المصدر، ص100.
3- علي الوردي، لمحات اجتماعية ج6، ص 18-19، ط2، دار كوفان، لندن، 1992
4- حسن العلوي، التأثيرات التركية، دار الزوراء، لندن، 1988، ص 86.
5- علي الوردي، لمحات اجتماعية، ج5، حول ثورة العشرين، القسم الأول، ص341-349
6- علي الوردي، نفس المصدر ص 235
7- علي الوردي، نفس المصدر، ص 349.
8- علي الوردي، نفس المصدر، ص 242-243.
9- علي الوردي، نفس المصدر، ص349-350
10- وميض عمر نظمي، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية، ص 159 عن وثيقة بريطانية
12- ناجي شوكت، المذكرات، ص56.
13- حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية في العراق، ص128، مطبوعات CEDI  فرنسا عام 1989.
14- حسن العلوي، نفس المصدر ص128.
15- علي الوردي، نفس المصدر، عن جريدة الاستقلال- في عددها الصادر في 28 أيلول 1920، ص 192.
16- علي الوردي، نفس المصدر، ص 196، نقلاً عن كتاب المس بيل، فصول من تاريخ العرق القريب.
17- علي الوردي، نفس المصدر، ص 90.
18- حسن العلوي، نفس المصدر، ص134
19- د.سعيد السامرائي، الطائفية في العراق، ص 123-124، ط1، 1993، مؤسسة الفجر، لندن
20- د. سعيد السامرائي، نفس المصدر، ص 183- 186
21- مير بصري، أعلام السياسة في العراق، ص 137.
22- إسحاق نقاش، شيعة العراق، ص127.
23- حسن العلوي، نفس المصدر، ص238.
24- علي الوردي، لمحات، ج5، القسم الأول، ص351.


6370 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
 عودة إلى مقال: الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ(2-2)
 توضيح لا بد منه (نشرتُ هذا المقال قبل عشرة أعوام على حلقتين، وأثار في وقته جدلاً بين الكتاب الإسلاميين والعلمانيين. وبمناسبة عزم البرلمان العراقي تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، بتطبيق الشريعة الإسلامية المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant