إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

دور الطائفية في الأزمة العراقية*

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


الطائفية أم الأزمات
رغم الكوارث التي نزلت على العراق، والقتل على الهوية المذهبية والتطهير الطائفي في بعض المناطق من بغداد بعد سقوط حكم البعث عام 2003، فمازال هناك من ينكر وجود الطائفية أو الصراع الطائفي في العراق وفي جميع مراحل تاريخه. ولذلك خصصت هذا الفصل للرد على هؤلاء السادة. فكما ذكرت في المقدمة، أعتقد جازماً أن الطائفية لعبت دوراً رئيسياً في عدم استقرار العراق، ولا أغالي إذا قلت أنها أم الأزمات، ومنها تناسلت وتفرعت الأزمات الأخرى. كما وأؤكد هنا أن الطائفية ليست وليدة اللحظة الراهنة أو الغزو الأمريكي كما يتصور البعض، بل هي من نتاج التاريخ والجغرافية، ضاربة جذورها في عمق التاريخ العراقي. فبسبب التفرقة الطائفية والعرقية تم حرمان نحو 80% من مكونات الشعب العراقي من حقوق المواطنة الحقيقية، وتعريضهم للظلم والقهر والاستلاب والحرمان والعزل والاغتراب، واستحواذ مكونة واحدة من الشعب على السلطة والثروة والنفوذ، منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وإلى 9 نيسان/أبريل 2003.

فالتمييز الطائفي والعرقي البغيض كان لغماً خطيراً وُضِع مع حجر الأساس في بناء الدولة العراقية الحديثة عام 1921، حيث أصر الآباء المؤسسون العراقيون، وبدعم وتخطيط من بريطانيا، في الاستمرار على سياسة الإمبراطورية العثمانية في التفرقة الطائفية والعرقية خلال أربعة قرون من حكمها الجائر للعراق ضد مكونات الشعب العراقي، واستئثار مكونة واحدة بالسلطة والقوات العسكرية المسلحة (بهيئة ضباطها)، وبالنفوذ والامتيازات. ولتنفيذ هذه السياسة والحفاظ على سلطتها، لا بد وأن تلجأ الفئة الحاكمة المتمذهبة إلى ممارسة الظلم والإكراه لإخضاع المكونات الأخرى لإرادتها بالقوة الغاشمة. وكما تقول الحكمة: "الظلم لو دام دمَّر، يحرق اليابس والأخضر". لذلك أعتقد أن جميع المشاكل الأخرى التي عانى منها الشعب العراقي هي ناجمة عن هذا السبب، ألا وهو التمييز الطائفي والعرقي، والذي أدى بالتالي إلى انهيار الدولة العراقية عام 2003.

والجدير بالذكر أني حذرت من خطر الطائفية في بحث مطول لي بعنوان:(الطائفية خطر كبير وتجاهلها أخطر)، نشر في صحافة المعارضة في المهجر قبل سقوط حكم البعث بسنوات، ومن ثم أعدت نشره على مواقع الانترنت بعد سقوطه. فلو تتبعنا الخط البياني لهذه الأزمة التراكمية لوجدناه في صعود وهبوط حسب الحكومات المتعاقبة والانعطافات التاريخية، وقد حقق صعوداً صاروخياً متواصلاً في عهد حكم البعث الصدامي. وكان التذمر الشعبي يغلي وينمو تحت السطح كالبركان الذي ينتظر اللحظة المناسبة للانفجار، وقد توفرت هذه اللحظة بعد سقوط حكم البعث القمعي "جمهورية الخوف" على أيدي قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا وبدعم ومساندة من الشعب.

 تعريف الطائفية والعنصرية؟
الطائفية هي نزعة سياسية لا علاقة لها بالعقائد الدينية أو المذهبية، وإنما استغلت الخلافات المذهبية لأغراض مصلحية بعيدة عن الدين، وتطورت هذه الخلافات لتصبح تعصبا أعمى أشبه بالعصبية القبلية
وأخذت مؤخرا أبعادا عنصرية لا تختلف عن الفاشية، والنازية بالمعنى الحديث، ولكن بغطاء ديني ومذهبي، يستخدمها سياسيون علمانيون هم أبعد ما يكونوا عن روح الدين والتديُّن الحقيقي، بل يستغلون أبناء طائفتهم لتحقيق أغراضهم السياسية، ومصالحهم الشخصية المادية، والحفاظ على نفوذهم وسلطاتهم في الدولة على حساب أبناء الطوائف الأخرى. ويستثنى من هذا التعريف أتباع الوهابية من التكفيريين. والوهابية تعتمد على الفقه الحنبلي، المتزمت بآراء ابن تيميه التكفيرية، وآراء مؤسس الحركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، في محاربة المختلف عنهم في الدين والمذهب، ويبررون إبادتهم اعتماداً على تفسيرهم الخاطئ للإسلام. 
أما العنصرية، فهي العداء للبشر والتمييز ضدهم بسبب الاختلاف في الانتماء القومي، وهو مدان وفق جميع الشرائع والقوانين الدينية والوضعية.
كما ويجب التوضيح والتأكيد هنا على أنه ليس من الطائفية والعنصرية والفاشية أن يلتزم الإنسان بانتمائه الديني والمذهبي والوطني والقومي، بل من الطائفية والعنصرية والفاشية إذا ناصب الإنسان إنساناً آخر العداء، وسعى لإلحاق الأذى والضرر به، بسبب انتمائه لقومية أو دين أو مذهب آخر. وعليه، فنحن لا نتحدث هنا عن تعددية الطوائف التي هي مسألة طبيعية في جميع الشعوب إذ لا خطر منها، بل عن نزعة الطائفية والعنصرية، أي التمييز الطائفي والعنصري لما يشكلان من مخاطر جسيمة على وحدة الشعب والسلم الاجتماعي.

أدلَّة تاريخية على التمييز الطائفي في العراق الحديث
بينت أعلاه أنه مازال البعض ينكر وجود التمييز الطائفي في العراق في العهود السابقة، لذا أود هنا التأكيد على أن الطائفية ليست جديدة، بل هي موجودة في العراق منذ العصر الأموي، ومرورا بالعصر العباسي ثم  الصفوي، والعثماني، ثم أخذت منحى جديداً مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ومارستها الحكومات المتعاقبة عدا فترة حكومة ثورة 14 تموز. وهناك أدلة كثيرة في هذا الخصوص، أشير إلى أهمها كما يلي:

أولاً، محطات تاريخية
هناك خمسة محطات تاريخية كبرى مر بها العراق منذ أوائل القرن العشرين وإلى الآن، لعبت فيها الطائفية دوراً رئيسياً في تاريخ العراق الدموي، كشفت هذا الصراع الطائفي في الشعب العراقي بشكل واضح للعيان:
المحطة الأولى: عندما احتلت بريطانيا العراق في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، ثارت العشائر الشيعية وبفتاوى قادتهم الدينيين، فشنوا حرب الجهاد على الانكليز، ومن ثم قاموا بثورة العشرين ضد الاحتلال، بينما وقفت قيادات العرب السنة على الحياد إلا ما ندر، وإن حصل، كان جانبياً، مثل مقتل ليجمان على يد الشيخ ضاري الذي لعبت الصدفة دورها ونتيجة لتهور ليجمان. (راجع كتاب ثورة العشرين، ملحق الجزء الخامس، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، للدكتور علي الوردي).
المحطة الثانية: الصراع الطائفي في العهد الملكي والذي كان يدور بخفاء وصمت وفي المجالس الخاصة، وحرمان الشيعة من حقوق المواطنة والمشاركة العادلة في المناصب والوظائف في الدولة. (راجع مذكرات عبدالكريم الأزري، أحد أقطاب العهد الملكي، والفصل التاسع من هذا الكتاب).
المحطة الثالثة: الصراع الدموي إثناء ثورة 14 تموز 1958، فرغم أن الصراع كان تحت مسميات سياسية (قومي بعثي- شيوعي) إلا إن الجماهير الشيعية (وليس قادتهم الدينيين) هي التي وقفت مع الثورة وزعامتها الوطنية ودافعت عنهما إلى آخر لحظة، حيث شكلت الشيعة نحو 70% من منتسبي الحزب الشيوعي، بينما المحافظات السنية ساهمت في اغتيال الثورة وقيادتها الوطنية. ولا ننسى الشينات الثلاث (شيعي، شروكي، شيوعي) التي أطلقها القوميون الطائفيون من الطائفة السنية على شيعة العراق.

المحطة الرابعة: انتفاضة آذار 1991، قامت بها المحافظات الشيعية والكردية والتي نعتها نظام البعث الصدامي بالمحافظات السوداء، مقابل وقوف المحافظات العربية السنية على الحياد، والتي أسماها بالمحافظات البيضاء.
المحطة الخامسة والأخيرة: منذ سقوط نظام البعث الصدامي عام 2003، وإلى الآن، رحبت المحافظات الشيعية والكردية بالوضع الجديد، بينما وقفت المحافظات العربية السنية ضده وقاومته وآوت الإرهابيين الأجانب، بحجة مقاومة الاحتلال، ومعارضة "المحاصصة الطائفية!!".

ثانياً، شهادات المسؤولين
هناك شهادات من شخصيات تاريخية ساهمت في تأسيس الدولة العراقية، تؤكد على وجود التمييز الطائفي والعرقي، وحذرت من مخاطرهما على مستقبل الدولة العراقية. وفي هذا السياق وعلى سبيل المثال لا الحصر، أذكر شهادة الملك فيصل الأول الذي أكد في مذكرته الشهيرة التي وزعها على النخبة الحاكمة المحيطة به نهاية عام 1932 جاء فيها ما يلي:
"العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسسة على أنقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسماً كردياً أكثريته جاهلة، بينهم أشخاص ذوو مطامع شخصية يسوقونه للتخلي عنها بدعوى إنها ليست من عنصرهم. وأكثرية شيعية جاهلة منتسبة عنصرياً إلى نفس الحكومة، إلا إن الاضطهادات التي كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكِّنهم من الاشتراك في الحكم، وعدم التمرن عليه، والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي المنقسم إلى هذين المذهبين، كل ذلك جعل مع الأسف هذه الأكثرية، أو الأشخاص الذين لهم مطامع خاصة، الدينيون منهم وطلاب الوظائف بدون استحقاق، والذين لم يستفيدوا مادياً من الحكم الجديد يظهرون بأنهم لم يزالوا مضطهدين لكونهم شيعــة، ويشوقون هذه الأكثرية للتخلي عن الحكم الذي يقولون بأنه سيء بحت، ولا ننكر ما لهؤلاء من التأثير على الرأي البسيط الجاهل." وأضاف الملك في مكان آخر من مذكرته ما تقوله قادة الشيعة: "إن الضرائب على الشيعي والموت على الشيعي والمناصب للسني، ما الذي هو للشيعي، حتى أيامه الدينية لا اعتبار لها". (عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج1، ص11، مطبعة دار الكتب بيروت،  1983).

ويمكن أن نعذر الملك الراحل على وصفه الكرد والشيعة بـ"أكثريته الجاهلة" إذ يجب أن نأخذ ظروف المرحلة المتخلفة  قبل 77 عاماً بالحسبان. وسنأتي على هذا الموضوع "خرافة الأغلبية الشيعية الجاهلة" في الفصل الثامن من هذا الكتاب.
لقد اقترَح الملك بعض الحلول لإنصاف الشيعة وتشجيعهم وتدريبهم في المشاركة في الوظائف الحكومية، ولكن لسوء حظ الشعب العراقي، أن الملك فيصل الأول توفى بعد أشهر قليلة من كتابته لهذه المذكرة الإصلاحية، والتي لم تلق أي ترحيب من قبل النخبة الحاكمة آنذاك.
وتأكيداً للتمييز الطائفي الذي ورد في مذكرة الملك، علق خليل كنه، وهو من أقطاب العهد الملكي، في كتابه الموسوم: (العراق، أمسه وغده)، قائلاً: "وعند تأسيس الكيان العراقي بزعامة الملك فيصل الأول، وجد أن استمرار التفريق والمحاباة يعرض الكيان العراقي إلى الانهيار، فبادر إلى سياسة منصفة وعادلة ليزيل مخاوف الشيعة وبذلك يزداد إقبالهم على التعليم ويتكاثر عددهم في الوظائف ومراكز المسؤولية. ولا شك أن إتباع العدالة الاجتماعية ومبدأ تكافؤ الفرص مما يساعد على إزالة الحيف الذي لحق بالطائفة الشيعية".
ولكن مع الأسف لم تتحقق العدالة الاجتماعية، فحدث الانهيار المدوي الذي توقعه الراحل خليل كنه وغيره من المخلصين من رجالات ذلك العهد.
كما وشهد بوجود التمييز الطائفي على نطاق واسع في العهد الملكي، شخصيات معروفة مثل شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، والسياسي المعروف عبدالكريم الأزري، ومرتضى الشيخ حسين وغيرهم كثيرون يمكن الرجوع إلى مذكراتهم.

أسباب التمييز الطائفي ضد الشيعة
أولاً، حجة الجهل والتخلف السياسي لشيعة العراق عند تأسيس الدولة العراقية عام 1921، وذلك بسبب التمييز ضدهم في العهد العثماني الذي لم يعترف بمذهبهم، فمنع الأتراك دخول أبناء الشيعة في المدارس الحكومية، ومنعوهم بشكل مطلق من تسلم أية وظيفة رسمية في الدولة. إلا إن هذا التخلف كان نسبياً، إذ كانت هناك مدارس دينية شيعية في النجف وكربلاء وسامراء يدرس فيها ليس أبناء العراق فحسب، بل وطلبة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي الشيعي.
ثانياً، الدور البريطاني في تثبيت حكم الأقلية العربية السنية انتقاماً من الشيعة، لأنهم (الشيعة) شنوا حرب الجهاد ضد الاحتلال البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى، دفاعاً عن حكم الأتراك، (وهي مفارقة أن الشيعة دافعوا عن حكومة كانت تضطهدم)، ومن ثم قيامهم بثورة العشرين التي كلفت البريطانيين كثيراً. والجدير بالذكر أن ثورة العشرين هي التي أرغمت السلطات البريطانية الاستعمارية على تأسيس الدولة العراقية ومنحها الاستقلال فيما بعد.
ثالثاً، إصرار النخبة الحاكمة على احتكار السلطة، وإبعاد الشيعة عنها، ومواصلة النهج التركي العثماني في التعامل مع الشيعة العرب، خاصة وإن الكثير منهم كانوا من أصول غير عراقية جلبهم الأتراك من أواسط آسيا كمماليك.
رابعاً، تصلب مواقف الزعامة الدينية الشيعية، والتطرف في مطالبها في فرض شروط تعجيزية وغير مرنة وغير قابلة للتنفيذ آنذاك مثل الاستقلال الناجز، والمطالبة بانسحاب القوات البريطانية بالكامل من العراق، ورفضهم الحلول الوسطى الممكنة. كذلك أصدر رجال الدين الشيعة فتاوى بتحريم مشاركة أبناء طائفتهم في الانتخابات والجندية وإرسال أبنائهم وبناتهم إلى المدارس الحكومية...الخ. لذلك فالأغلبية الشيعية العربية وخاصة قياداتها الدينية، تتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية في تهميشهم في العهد الملكي، قد لا يقل عن القسط الذي تتحمله الأقلية الحاكمة.

ومن هنا نفهم أن التمييز بين مكونات الشعب كان موجوداً في العهد الملكي "والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي – في العراق- المنقسم إلى هذين المذهبين" على حد تعبير الملك فيصل الأول، إضافة إلى الإجحاف الشديد الذي لحق بالمكونات الأخرى من قبل الفئة الحاكمة التي احتكرت الوظائف والمناصب المدنية والعسكرية في العهد الملكي وما تلاه من عهود جمهورية، باستثناء فترة حكم الزعيم عبدالكريم قاسم، الذي حاول التخلص من التمييز الطائفي والعرقي تدريجياً، فأتبع سياسة المساواة بين المواطنين، ولذلك انتقم منه المنتفعون من سياسة التمييز الطائفي والعرقي أشد الانتقام، لخروجه عن الموروث التركي.

عوامل ساعدت على تكريس الطائفية
1- ربط القومية العربية بالطائفية
إن أكبر الخطايا والآثام التي اقترفها رواد حركة القومية العربية في أوائل القرن العشرين ومن تلاهم فيما بعد، أنهم ربطوا حركة القومية العربية بالطائفية المعادية للعرب الشيعة، والنظرة الشوفينية العنصرية ضد غير العرب، حيث راحوا يوصمون الشيعة العرب بشتى النعوت المهينة، والطعن بعروبتهم ووطنيتهم، مثل وصمهم بالعجمة، والشعوبية، والرتل الخامس، والولاء لإيران بدلاً من ولائهم لأوطانهم العربية وغيرها كثير من الاتهامات الجائرة، وراحوا يؤلفون الكتب ويدبجون المقالات لترويج وتأكيد هذه الاتهامات، وإلصاق النعوت المهينة بالشيعة. وقد بلغ الغلو في البعض من القوميين العرب إلى حد أنهم ادعوا أن العرب الشيعة ليسوا عرباً ولا عراقيين أصلاً، بل جلبهم القائد العربي الإسلامي، محمد القاسم مع الجواميس من الهند وأسكنهم أهوار الجنوب!! (راجع سلسلة مقالات بعنوان: لماذا حصل ما حصل، نشرت في صحيفة الثورة، بعد قمع انتفاضة آذار 1991).

إن الربط بين القومية والطائفية كان بمثابة العبوة الموقوتة الناسفة للقومية العربية نفسها، والسبب المباشر والرئيسي لفشل الدولة العراقية الحديثة في عدم استقرارها، وتغذية وإدامة الأحقاد والصراعات العنيفة بين مكونات الشعب العراقي، الأمر الذي أدى إلى تدمير الحركة القومية العربية، وإلى فشل المشروع الديمقراطي الليبرالي الذي أراد الملك فيصل الأول بناء مملكته على أساسه، وبالتالي إلى انهيار الدولة العراقية المدوي يوم 9/4/2003، وما تلاه من مضاعفات وتداعيات مهولة.

وتأكيداً لدور حركة القومية العربية في الأزمة العراقية وأزمة الدول العربية الأخرى، نشير إلى التقرير الإستراتيجي العربي لعام 1999، الذي جاء فيه: "إن القومية العربية تتحمل مسؤولية كبرى، بل مسؤولية أولى، عن التدهور الذي آل إليه النظام الإقليمي العربي في نهاية القرن العشرين، فهذا يرتبط بالأساس اللاديمقراطي، بل المعادي للديمقراطية، الذي قامت عليه". (التقرير الإستراتيجي العربي 1999، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، يناير 2000./نقلاً عن الملف العراقي-العدد 109، كانون الثني/يناير 2001).

وامتداداً للتمييز الطائفي والعرقي في العهود السابقة، اتخذت المظالم ضد الشيعة والكرد شكلاً متطرفاً في عهد حكم البعث الثاني (1968-2003) حيث انفرد النظام، ولأول مرة في تاريخ العالم، وبدوافع طائفية وعنصرية بحتة، بإصدار قانون إسقاط الجنسية رقم 666 لسنة 1980 الذي أسقط بموجبه الجنسية عن مئات الألوف من الشيعة، العرب والكرد الفيلية، والتركمان، وتهجيرهم بالقوة بتهمة التبعية الإيرانية، وتم تنفيذ هذا القانون بمنتهى القسوة والوحشية، وذلك بإلقائهم على الحدود الإيرانية الملغومة أيام الحرب العراقية - الإيرانية، بعد أن جردهم من جميع وثائقهم الرسمية التي تثبت عراقيتهم أباً عن جد، ومصادرة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة. كما وقام نظام البعث بحروب إبادة الجنس ضد الأكراد في عمليات الأنفال والغازات السامة في حلبجة، والتغيير الديموغرافي ضد الأكراد عن طريق التهجير القسري الداخلي والخارجي، وغيرها من عمليات التطهير العرقي والطائفي، والجرائم البشعة بحق مكونات الشعب العراقي وضد حقوق الإنسان تكللت بإرغام نحو أربعة ملايين من العراقيين على الهجرة إلى الشتات، معظمهم من الشيعة العرب والكرد، وجلب النظام مكانهم نحو أربعة ملايين من مواطني البلدان العربية وعاملهم كمواطنين عراقيين، بغية تغيير ديموغرافية السكان طائفياً وقومياً.

2- غياب العدالة
إن الظلم الذي تعرضت له الغالبية العظمى من أبناء الشعب العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية، ما كان إلا نتيجة حتمية لسياسة التمييز الطائفي والعنصري الذي اتخذ شكلاً هستيرياً رهيباً غير مسبوق في عهد البعث الصدامي. وما الاقتتال الذي انفجر بعد سقوط حكم البعث إلا نتيجة لتراكمات المظالم والاحتقانات عبر عقود من السنين، والتعبير عن شحنات الغضب والاحتقانات الكامنة، حيث أدمنت الفئة الحاكمة على مواصلة الاستئثار بالسلطة وإصرارها على عدم مشاركة المكونات الأخرى من الشعب في الحكم مشاركة عادلة، لا بد وأن تعتمد على سياسة القمع والإرهاب.

3- الردة الحضارية
إضافة إلى ما تقدم، هناك عوامل أخرى ساعدت على إشعال المزيد من الصراعات، منها أن نظام البعث أعاد المجتمع العراقي إلى ما قبل نشوء الدولة وتكوين الشعوب، أي إلى مرحلة البداوة فأحيا القبلية والعشائرية وأجج روح الطائفية، كما وقام بتدمير الطبقة الوسطى بالكامل وإفقار الجميع. (راجع مقالنا: الخراب البشري في العراق، على مواقع الانترنت).

4- دور دول الجوار في تأجيج الطائفية
كذلك استغلت دول الجوار تعقيدات الوضع العراقي، وبالأخص التعدد المذهبي، وخوفها من نجاح العملية السياسية في العراق، وارتعابها من وصول عدوى الديمقراطية إلى بلدانها، لذلك ساهمت هذه الدول في تأجيج الفتنة الطائفية، وصب الزيت على النار المشتعلة في العراق لإفشال العملية السياسية ومنع الديمقراطية، كل دولة تدعم الطائفة التي تماثلها في المذهب.

تداعيات السقوط
ومن كل ما تقدم، نرى أن الصراع الطائفي كان موجوداً منذ تأسيس الدولة العراقية وانفجر بعد سقوط حكم البعث الذي طرح نفسه المدافع الأمين والوحيد عن العرب السنة، لا حرصاً على المذهب، إذ هو حزب علماني، بل لربط مصير أبناء الطائفة بمصيره، وتسخيرهم من أجل استرجاع سلطته التي فقدها يوم 9/4/2003، ولكن هيهات.
وهنا أود التأكيد على أن الذي حصل في يوم 9 نيسان (أبريل) 2003 هو سقوط النظام البعثي الصدامي الفاشستي، وليس سقوط بغداد كما يردد فلول البعث والمتعاطفون معهم، حيث تحرر الشعب العراقي الأعزل الذي كان مغلوباً على أمره من أبشع نظام همجي ديكتاتوري عرفه التاريخ، ليبدأ ولادة دولة عصرية جديدة لكل العراقيين دون استثناء، مبنية على أسس الديمقراطية الحقيقية، ودولة المواطنة والقانون. وبعد كل هذه المظالم التي تعرض لها الشعب العراقي لأربعين عاماً من حكم التيار القومي، وخاصة البعثي، فلا يمكن ولادة دولة ديمقراطية بدون آلام ومضاعفات وتداعيات، إذ كما قال الفيلسوف الألماني هيغل: "إن ولادة الأشياء العظيمة دائماً مصحوبة بألم"، والديمقراطية هي من أعظم ما أنتجته الحضارة البشرية، لذا فلا بد وأن تكون مصحوبة بآلام ومضاعفات وتضحيات.

لذلك لا أعتقد أنه كان ممكناً تجنب التداعيات التي حصلت بعد سقوط نظام البعث الصدامي وما حصل من فوضى وأعمال شغب ونهب وفرهود وقتل الأبرياء وتدمير الممتلكات، ولكن كان من الممكن التخفيف منها فيما لو اتخذت قوات التحالف وقادة المعارضة آنذاك إجراءات احترازية مسبقة قبل التغيير لمنع الانفلات الأمني وعمليات النهب والفرهود، بمواجهة عصابات الجريمة المنظمة، ومنظمات الإرهاب من فلول البعث وحلفائهم من أتباع القاعدة، بحزم منذ البداية، وتحديد مرحلة انتقالية من ثلاثة إلى خمسة أعوام، لتتم خلالها السيطرة الكاملة على البلاد، والمباشرة ببناء الدولة العصرية وأجهزتها الأمنية والاستخباراتية، وقواتها المسلحة من المستقلين والتكنوقراط على أسس حديثة ثابتة ومتينة، وتجهيزهم بكل الوسائل الحديثة اللازمة، وتثقيفهم بالانضباط العسكري والولاء للوطن، وفرض الأمن لحماية أرواح الناس وممتلكاتهم من الأشرار، واحترام وحماية الحكومة المدنية الديمقراطية، والعمل على إزالة مخلفات البعث وعقلية الانقلابات العسكرية من الجيش الجديد، والمباشرة بإعمار العراق، وبناء مؤسسات المجتمع المدني، ونشر ثقافة الديمقراطية وروح التسامح، ومن ثَّم تهيئة الأجواء للانتخابات والانتقال التدريجي إلى الديمقراطية.

ولكن مع الأسف الشديد أراد الأمريكان والمعارضة العراقية السابقة (الحاكمة اليوم)، أن يقفزوا بالعراق من نظام صدام حسين القمعي الدموي والمتطرف في الاستبداد الجائر، إلى النظام الديمقراطي الكامل بين عشية وضحاها، ودون أي تحضير أو مقدمات. أي أنهم تعاملوا مع الشعب العراقي الذي تعرض إلى كل هذه المظالم والنكبات عبر قرون، وخاصة في العقود الخمسة الأخيرة، بمثل ما يتعاملون مع شعوب الدول الغربية العريقة في الديمقراطية.

إلا إنه من الجانب الآخر، يجب أن نعترف أنه ليس هناك أسهل من توجيه الانتقادات وإلقاء اللوم على الآخرين، وإطلاق الأقوال الحكيمة بعد فوات الأوان. وفي جميع الأحوال، لا يمكن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وتلافي الأخطاء التي ارتكبت منذ 9 نيسان/أبريل 2003 لحد الآن، بل يجب استخلاص الدروس والعبر من أخطاء الماضي وتصحيحها، فعلى الرغم من كل ما جرى من فواجع، هناك أمل كبير في بناء عراق ديمقراطي مستقر ومزدهر فيما لو توفرت لدى أهل الحل والعقد النوايا الحسنة والإرادة القوية في معالجة الأوضاع بجدية. لذلك، وفي هذه الحالة، يجب الاستمرار في العملية الديمقراطية بكل إصرار، دون أي تراجع عنها أو تساهل إزاء العقبات.

خلاصة القول: ومن كل ما تقدم، نستنتج أن التمييز الطائفي والعنصري كان سياسة متبعة في العهد الملكي وما قبله، وحصل نوع من القطيعة مع هذه السياسة في فترة قصيرة وذلك في عهد حكم الزعيم عبدالكريم قاسم، ثم تصاعد في عهد الأخوين عارف وما تلاه من حكم البعث الثاني من 1968 إلى سقوطه في 2003، وسوف لن يتحقق الاستقرار السياسي ما لم يتم إلغاء التمييز بجميع أشكاله في نظام ديمقراطي عادل، ولكل فرد صوت واحد في اتخاذ القرار.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* هذا الفصل هو القسم الأول من بحث مطوَّل قدمتُه في الملتقى الفكري الأول في بغداد خلال يومي 4-5 تشرين الأول/أكتوبر 2009، والذي نظمته وزارة الدولة لشؤون الحوار الوطني، لمناقشة الأزمة العراقية وأسبابها، والتي انفجرت بعد سقوط حكم البعث الصدامي يوم 9/4/2003.

** رابط عن الملتقى الفكري الذي عقد في بغداد خلال يومي 4-5 تشرين الأول/أكتوبر 2009،
http://www.hdriraq.com/modules.php?name=News&file=article&sid=2353


5730 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
درس حضاري من اسكتلاندا
يمكن اعتبار استفتاء الشعب السكتلاندي يوم 18 أيلول/سبتمبر 2014، عملاً تاريخياً مهماً، ودرساً حضارياً بليغاً، ليس لشعوب المملكة المتحدة البريطانية فحسب، بل وللعالم أجمع، وبالأخص لشعبنا العراقي ذو التعددية القومية والدينية المشابهة لبريطانيا، مع الفارق المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant