إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

الكرد أول ضحايا الاستفتاء

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


العراق بلد مأزوم طوال تاريخه، فما أن يتخلص، أو على وشك أن يتخلص من أزمة، حتى وتلد له أزمة جديدة. ودائماً تبدأ الأزمة بإبراز مخالبها نحو الحلقة الأضعف. فما أن نجحت القوات العراقية المسلحة بكل فصائلها في إلحاق الهزيمة بوحوش الإرهاب الداعشي، وإلقائه في سلة النفايات، حتى وتحرك السيد مسعود بارزاني في خلق أزمة أخرى باسم (استفتاء الشعب الكردي) للإنفصال من العراق. وكما بينا في مقالات سابقة، أن هذا الاستفتاء هو حق مشروع وفق مبدأ حق تقرير المصير، ولكن ما يقوم به السيد بارزاني هو بأساليب غير مشروعة، وفي وقت غير مناسب، مما يؤدي إلى وأد هذا الحق، وخلق أزمة جديدة بإشعال فتنة عنصرية لإرباك الحكومة المركزية وتعطيل التنمية. (1 و2)

لقد  نجح السيد مسعود بارزاني، رئيس الإقليم الكردستاني المنتهية رئاسته منذ أربع سنوات، في  تحويل الصراع الكردي – العراقي من صراع بين الحركة الكردية والحكومات العراقية المتعاقبة، إلى صراع بين الشعبين، العربي- والكردي، أي إلى فتنة قومية عنصرية شريرة بين العرب والأكراد، إضافة إلى صراع كردي- كردي في داخل الإقليم.

فالمعروف أن محافظة بغداد وحدها يعيش فيها نحو مليون ونصف مليون كردي من مختلف إنتماءاتهم الدينية والمذهبية منذ تأسيس الدولة العراقية، إضافة إلى ملايين الكرد الفيلية في مختلف محافظات الوسط والجنوب، ذات الأغلبية الشيعية. وقد اندمج هؤلاء بالمجتمع، وصاروا جزءً منه غير قابل للقسمة والتمييز. ولكن تفيد الأخبار من العراق أن الأكراد، ومن مختلف انتماءاتهم الدينية والمذهبية باتوا يعيشون في حالة توجس وخوف مما يثار هذه الأيام من محاولات إثارة الصراع العنصري بين العرب والأكراد.
ولعل أضعف مكوَّن من بين مكونات الشعب العراقي هو مكوَّن الكرد الفيلية الذي تعرض إلى مظالم أكثر من أي مكون آخر. فقد كتبتُ مقالاً في هذا الخصوص قبل ست سنوات عن المظالم التي تعرض لها الشعب العراقي بجميع مكوناته وقلت فيه:
(ولكن محنة الكرد الفيلية هي من نوع آخر، وتبدو بلا نهاية وحتى في العراق الجديد، عراق ما بعد صدام، ومهما تغيرت الأحوال السياسية، فهم "أقلية ضمن أقلية" حيث اجتمعت فيهم "اللعنتان" الكردية والشيعية. لذلك عانى هذا المكون الأمرَّين في جميع العهود على يد السلطات العنصرية والطائفية المتعاقبة في الدولة العراقية الحديثة، وعوملت كأضعف حلقة في المجتمع، ولذلك كانت دائماً هي الأولى ليقع عليها الجور وظلم السلطة، والتشكيك بوطنيتها، وجنسيتها العراقية، وهم عراقيون عن أب وجد منذ زمن سحيق. فهذه الشريحة أغنت المجتمع العراقي حيث قدمت المئات من الشخصيات اللامعة في مختلف المجالات: الحركة الوطنية، والسياسية، والاقتصادية، والتجارية، والثقافية والفنية..الخ، ودفعت حصتها من التضحيات في سبيل الوطن ورفعته أكثر من أن يحصى.
(وقد بلغ الظلم بحق هذه الشريحة الذروة في عهد حكم البعث الجائر، الذي أسقط عنهم الجنسية العراقية، وأرغمهم على الهجرة بتهمة التبعية الإيرانية ، بعد أن صادر منهم جميع ممتلكاتهم وأموالهم، المنقولة وغير المنقولة، وجردهم من جميع الوثائق التي تثبت عراقيتهم وأملاكهم، بما فيها الشهادات الدراسية وإجازات السياقة، إضافة إلى حجز الألوف من شبابهم في معتقلات قاسية ، ثم أبادتهم فيما بعد.)

لقد أثار إصرار السيد مسعود بارزاني على إجراء استفتاء للشعب الكردستاني للانفصال والاستقلال مشاكل كثيرة لا مبرر لها. إذ هناك مجرمون من مختلف الانتماءات مدفوعين من جهات مشبوهة، يجدون فرصتهم في هذه المناسبات، لإثارة الأحقاد القومية والعنصرية، والقيام بأعمال استفزازية والتصيد بالماء العكر. فقد شاهدنا على اليوتيوب مجموعات من الشباب الكرد، أو من يدعون أنهم كرد، يقومون بالإساءة إلى الشعب العراقي بمنتهى العنصرية والطائفية وخاصة ضد الشيعة، وذلك بحرق العلم العراقي، والإساءة إلى رموزهم الدينية، ولم يسلم من هذه الإساءة حتى المرجع الديني الشيعي السيد علي السيستاني الذي كان دائماَ يمثل صمام أمان للسلم الاجتماعي.

لا شك أن الغرض من هذه المحاولات الشيطانية الشريرة هو إشعال الفتنة العنصرية بين العرب والكرد، وبالتالي المستفيد منها هم أعداء العرب والكرد. والمفارقة أن الأخبار المقلقة التي أشرتُ إليها آنفاً تفيد بما يتعرض له الكرد الفيلية وخاصة من جيرانهم الشيعة في المناطق الشيعية. وهذا هو قمة التناقض والظلم والجور. فالأكراد الفيلية عانوا الكثير بسبب تشيُّعهم، يعانون الآن من جهلة الشيعة إن صح الخبر.
والجدير بالذكر أني استلمت قبل أسبوع منشوراً صادراً يعود تاريخه إلى حزيران الماضي من موقع إيلاف بعنوان: (الحكومة العراقية تعرض موقفها من استفتاء استقلال كردستان)، أدعى المحرر أنه: (بيان صادر عن مكتب السيد رئيس وزراء الجمهورية العراقية حول استفتاء كردستان ). يبدأ البيان المزعوم بمقدمة منطقية، ولكن نصفه الثاني كلام لا يمكن أن يصدر من مكتب الدكتور حيدر العبادي، المعروف بتعاطفه مع الشعب الكردي، حيث جاء فيه فيما لو انفصل الكرد: (سحب الجوازات والبطاقة الوطنية والجنسية العراقية من جميع الأكراد داخل العراق الجديد وخارجه بمن فيهم الكرد الفيلية، ويعامل المواطنون الأكراد داخل العراق معاملة المقيم في كل الأمور بما في ذلك الحقوق المدنية مثل التملك وتقلد المناصب والدراسة ... الخ). وهناك الكثير من كلام غير معقول مثل القول بمصادرة الأملاك...!!.
فقمت بتعميمه على بعض الأصدقاء للإطلاع على آرائهم فيما لو كان هذا البيان حقاً صادراً من مكتب رئيس الوزراء. ولحسن الحظ أغلب الآراء شككت بمصداقيته. ولكن مع الأسف الشديد، تكرر تعميمه من قبل الآخرين مرفقاً بتعليقات على إنه بيان رسمي حقيقي، وهو ليس كذلك، خاصة وأنه لم ينشر في الصحف العراقية المعروفة. وقد حاولت البحث عنه في غوغل فلم أجده إلا في موقع إيلاف. ولذلك أجزم بأن هذا البيان مزيف، الغرض منه إثارة الفتنة. أدرج رابطه أدناه(4).

فرأي السيد رئيس الوزراء، معروف في تصريحاته، وآخرها في مؤتمره الصحفي بتاريخ 12 سبتمبر/ أيلول الجاري، والذي نشرته وسائل الإعلام الرسمية ومواقع الإنترنت بعنوان: (العبادي: الاستفتاء سيضيع ما حققه الكرد بعد 2003 ولا حل الا الحوار)، جاء فيه: ("لا يمكن ان يجري الاستفتاء من جانب واحد فتربطنا علاقات تاريخية ومصيرية ونضالية ومصيرنا واحد فجربنا الخلافات والنزاعات في زمن الطاغية فولدت وخلفت المآسي والمذابح، وجربنا التعاون والتنسيق فقضينا على داعش وحررنا نينوى". وأوضح ان "وحدة شعبنا حققت هذه الانتصارات التي اعجبت العالم ولا يجوز ان نضيِّعها، فما زالت داعش في الحويجة".)(5).

مرة أخرى نؤكد أن الاستفتاء والاستقلال حق من حقوق الشعب الكردي في تقرير مصيره، ولكن كما صرح السيد عادل مراد - عضو مؤسس لحزب الإتحاد الوطني الكردستاني، لمراسل البي بي سي، أن المسألة ليست في إعلان الدولة الكردية، بل في قدرتها على الاستمرار والتطور، إذ يشهد الإقليم حالة انهيار سياسي واقتصادي لدرجة عدم توفير أبسط الخدمات للمواطن كالكهرباء والماء ورواتب العاملين في الدوائر الحكومية. يحدث هذا بالرغم من تصدير 580 ألف برميل نفط يوميا وتعد تجربة جنوب السودان نموذجا قريبا لحالة الإختلاف بين الرغبة الذاتية والظروف المحيطة بتلك الرغبات.(6)

 هل حقاً الأكراد الفيلية في خطر؟
عرضت مسودة مقالي هذا قبل نشره على أصدقاء مطلعين بينهم صحفيون مقيمون في العراق، متابعون لما يجري في المجتمع، استشرتهم عن صحة الأنباء حول ما يتعرض له الكرد الفيليون من مضايقات وتهديدات في المناطق الشيعية، فاستلمت إجابات مطمئنة، مثل قول صديق وهو صحفي مطلع قائلاً:
(بخصوص الكرد في بغداد فهم اسياد في منطقة الصدرية، وفي حي الاكراد في مدينة الثورة، وأخوة حقيقية مع الشيعة. وقد اصدر السيد الاعرجي ، وزير الداخلية الحالي قرارا بمنحهم الجنسية، وشهادة الجنسية العراقية، وتعويض ممتلكاتهم المصادرة ايام صدام، وصرف رواتب شهداء الكرد الفيلية أسوة بشهداء العراق المظلومين على يد جلاوزة صدام كون كتلة بدر والمجلس الاعلى تضم اعضاء قياديين من الكورد الفيلية ).
وصديق آخر أجابني بالتالي:
(ما يتصل بالأكراد الفيلية فهم منقسمون شأنهم شأن سائر العراقيين، حيث تناهبتهم الانتماءات والاهواء، فنالت الاحزاب الكردية نصيبها منهم وإن بنسبة ضئيلة. لا خوف على الفيليين في مدن العراق، بل انهم يتوجسون اكثر من اكراد بارزاني بحكم التمييز ضدهم عنصريا وطائفيا، وإذا كانت الطائفية مفهومة، فإن اكراد الشمال ينظرون بدونية للفيليين. مثلما ان هناك انقسام عميق بين اكراد الشمال انفسهم.
تخويف الفيليين لعبة بارزانية لا غير، لزيادة ارباك الوضع بوجه المركز....تحياتي وتقديري)

خلاصة القول:
هناك جماعات موتورة من أعداء شعبنا من كل المكونات، يستغلون هذه المناسبات لإشعال الفتن الطائفية والعنصرية، وبث الإشاعات السامة، وتأليب فئة على أخرى، مما جعل الكثيرين من الأخوة الكرد المقيمين في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية في حالة خوف وهلع من ردود أفعال من أخوتهم العرب، لذلك نهيب بالسيد رئيس الوزراء، وكافة المسؤولين العراقيين، وخاصة في الأجهزة الأمنية، والإعلامية بأخذ الحيطة والحذر من أي رد فعل قد يسيء للأخوة العربية - الكردية في العراق، والضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه في الاعتداء على أبناء شعبنا، ومن أي مكون كان. وعلى الإعلام حث جماهير شعبنا على اليقظة والحذر من المندسين المصطادين في الماء العكر.

15/9/2017 

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: إستفتاء كردستان العراق، حق تقرير المصير أم ابتزاز؟

2- د.عبدالخالق حسين: مخاطر محتملة لما بعد الاستفتاء

3- عبدالخالق حسين: محنة الكرد الفيلية.. حتى في العراق الجديد؟ 
 4- بيان صادر عن مكتب السيد رئيس وزراء الجمهورية العراقية حول استفتاء كردستان (بيان مزيف)   

5- العبادي: الاستفتاء سيضيع ما حققه الكرد بعد 2003 ولا حل الا الحوار

6- استفتاء كردستان العراق يظهر الخلافات السياسية في الإقليم (تقرير BBC)

 


840 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
تحية لقواتنا الباسلة على تحريرها كركوك
لا شك أن يوم الأحد 16/10/2017، يعتبر يوماً حاسماً في تاريخ العراق الحديث، حيث تم فيه تحرير مدينة كركوك ومناطق أخرى من هيمنة وطغيان مسعود بارزاني، وهذا التحرير لا يقل أهمية عن تحرير الموصل من المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant