إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

أسباب اغتيال ثورة 14 تموز(2-2)

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع



الفصل العاشر(2-2)

أسباب اغتيال ثورة 14 تموز(2-2)

دور قانون رقم 80 في اغتيال الثورة
أصدر الزعيم عبدالكريم قاسم قانون رقم 80 لعام 1961، والذي استعاد بموجبه معظم الأراضي العراقية غير المستثمرة تحت امتياز الشركات النفطية والتي كانت تشكل نحو 99.5% من مساحة العراق. وكان هذا القانون بمثابة الخطوة الأساسية الأولى لتأميم النفط الذي تحقق في أوائل السبعينات. وقد رحبت به جميع القوى الوطنية والانتليجنسيا العراقية ولحد الآن. ولكن في نفس الوقت نعتقد أن هذا القانون كان السبب الرئيسي والفعال في إسقاط الثورة وساهم في كل ما حصل للعراق فيما بعد من كوارث، وجميع الأسباب الأخرى التي جاء ذكرها في هذا الفصل هي أسباب ثانوية لا تكفي لوحدها إسقاط مثل هكذا ثورة كانت تتمتع بالشعبية الواسعة.
جاء هذا التأكيد والتوضيح في ندوة بعنوان (حول قانون رقم 80 لعام 1961 والدروس والعبر المستقاة منه) والتي نظمتها اللجنة الثقافية في اتحاد الديمقراطيين العراقيين في لندن يوم 28/7/2002 ، وأدارها الأكاديمي د.علي حنوش، ونشر ما دار فيها في مجلة (الديمقراطي)، العدد 34، نوفمبر/تشرين الثاني 2002. وشارك في الحوار المرحوم محمد الظاهر، رئيس الاتحاد، وكان أحد المستشارين الذين شاركوا في الجانب الفني إثناء مفاوضات النفط التي جرت بين الزعيم عبدالكريم قاسم وشركات النفط عام 1960-1961، والدكتور فاضل الجلبي، الخبير النفطي المعروف ومدير مركز الطاقة العالمي في لندن. ونظراً لأهمية هذا الموضوع، فإننا نقدم بعض المقتطفات عما دار في تلك الندوة وفق ملخصها الذي نشره الدكتور علي حنوش في مجلة الديمقراطي.
استهل الراحل محمد الظاهر، الحديث في الندوة عن الخلفيات التي أدت إلى تشريع قانون رقم 80، حيث طلب رئيس الوزراء عبدالكريم قاسم في أوائل عام 1960 من الشركات صاحبة الامتياز في استثمار نفط العراق، التخلي عن الأراضي التي يعتبرونها غير مجدية، وتحديد المناطق التي يريدون الاحتفاظ بها والاستمرار باستغلالها وفق الاتفاقيات بين الشركات والحكومة العراقية. فاستجاب مستر فيشر، ممثل الشركات، بقبول المبدأ وطرح أن الشركات مستعدة للتنازل عن 80% من الأراضي، وربما حتى إلى 90% منها. وكان جو المفاوضات ودياً للغاية.
وأكد ذلك المحاضر الثاني في الندوة، الدكتور فاضل الجلبي: "أن الزعيم عبدالكريم قاسم أملى أربعة رسائل على الشركات النفطية طالباً منها أن تعلن فيها استعدادها على ما يلي:
1-التنازل الفوري عن 75% من الأراضي للعراق من مجموع أراضي الامتياز البالغة 95%،
2-أن تعاد للحكومة العراقية 15% من أراضي الامتياز خلال 5-6-سنوات.
وقد بينت الشركات للحكومة أنها مستعدة على الموافقة على هذه الطلبات بما في ذلك التنازل الفوري عن الـ(15%) في حالة التوصل إلى اتفاق مع الحكومة. كان قاسم فرحاً بهذا النجاح الكبير، وأراد إعلان نجاح المرحلة الأولى من المفاوضات. وكان بإمكان قاسم الموافقة على ذلك، وتأسيس شركة النفط الوطنية واستثمار 90% من الأراضي. ولكن الذي حدث كان أمراً عجيباً على النطاق السياسي والاقتصادي، والاستفادة من الظروف الملائمة لتطوير ثروة اقتصادية هائلة وهو إصدار قانون رقم 80".
ويضيف محمد الظاهر: "وبعد أن قدمت الشركات الخرائط الجغرافية والجيولوجية لتحديد المناطق التي ترغب الاحتفاظ بها، طلب منا الزعيم عبدالكريم قاسم الحضور إلى وزارة الدفاع ورغبة منه في الاستماع لآراء الفنيين في الموضوع... وكان أول ما أثاره قاسم، أن العراق يطفو على بحيرة من النفط فإذا أصرت الشركات على الاحتفاظ بـ(10%) فبوسعنا استثمار الـ(90%) من الأراضي الباقية، وبهذا لن نصطدم مع الشركات... علماً بأن مجموع ما استثمرته الشركات خلال 40 عاماً لا يزيد على 2% من الأراضي.

وكما أكد الدكتور فاضل الجلبي، أنه كان في نية الشركات عند الموافقة على هذا العرض، تكثيف عمليات استكشاف النفط في العراق بدلاً من إيران.
ولكن الخبراء الفنيين الذين استشارهم الزعيم ومنهم محمد الظاهر والدكتور عبدالله السياب، الخبير في وزارة النفط آنذاك، أشاروا عليه وعلى الوفد العراقي المفاوض رفض هذا العرض وذلك بتأثير من شعارات الأحزاب السياسية، الوطني الديمقراطي، والشيوعي العراقي، وحزب الإستقلال، وطلبوا من الزعيم قاسم إصدار قانون يقضي باسترجاع جميع الأراضي من الشركات عدا تلك التي عليها منشآتها. فاستجاب لهم الزعيم وطلب منهم كتابة مسودة القانون. وبالتالي صدر قانون رقم 80 الذي أثار عليه غضب ونقمة الشركات وقرروا الإطاحة بالثورة، وهذا ما حصل.
أجل، هذه الشهادات جاءت من الذين ساهموا بكتابة هذا القانون ونستنتج مما تقدم عدة أمور:
1-   أن الزعيم عبدالكريم لم يكن مغامراً، بل كان حذراً في مفاوضاته مع الشركات النفطية وكان يتحاشى إثارة غضبها، خاصة وأن تجربة تأميم النفط التي قام بها الرئيس الإيراني محمد مصدق، والتي انتهت بمأساة كبرى على إيران، كانت شاخصة للعيان وحية في الذاكرة.
2-   كان الزعيم قاسم مقتنعاً وفرحاً بما حصل عليه من الشركات (90%) نتيجة لمفاوضاته الودية معها، ولكن الخبراء العراقيين، وتحت تأثير الشعارات الحزبية، دفعوه إلى رفض ذلك العرض وإصدار هذا القانون الذي أثار عليه نقمة الشركات.
3-   أن الزعيم عبدالكريم قاسم لم يكن حاكماً فردياً مستبداً برأيه، كما أشاع ضده خصومه، بل كان يستمع  إلى الآخرين، وينفذ ما يشير عليه من أناس يثق بوطنيتهم، وخبرتهم وليته لم يفعل، إذ كان مقتنعاً بالـ (90%) التي حصل عليها خلال مفاوضاته الودية مع الشركات، فلماذا يغامر بهذه النسبة العالية من المكاسب من أجل الـ(10%) غير المضمونة؟
4-   كما جاء في الندوة، أن الخبراء قالوا له أن النفط في الـ (10%) من الأراضي التي احتفظت بها الشركات، أما الـ(90%) التي حصل عليها هي أراضي جافة لا نفط فيها!! بينما الزعيم قال لهم أن العراق يطفو على بحيرة من النفط، وقد أثبتت التنقيبات فيما بعد صحة رأي الزعيم، حيث تبين أن معظم النفط الذي تم اكتشافه في عهد حكم البعث كان في مناطق الـ(90%).
5-   في حالة موافقة الحكومة العراقية على هذا العرض كانت الشركات على استعداد لتكثيف نشاطاتها في العراق لتوسيع عمليات الاكتشاف والاستخراج وتصدير المزيد من النفط العراقي وبالتالي إنعاش الاقتصاد العراقي وخطط التنمية فيه. ولكن نتيجة لهذا القانون أوقفت الشركات جميع نشاطاتها منذ صدوره عام 1961، وإلى ما بعد التأميم في السبعينات، كما نقلت هذه الشركات نشاطاتها من العراق إلى إيران وبلدان الخليج.
6-   أن هذا القانون ساهم بشكل فعال ورئيسي في إسقاط الثورة، وكلما حصل في العراق من كوارث فيما بعد. أما الأسباب الأخرى التي ساهمت في إسقاط الثورة فكانت ثانوية وهي من مضاعفات وتداعيات لهذا القانون، وتم تفعيلها. ولولا هذا القانون لربما سلم العراق من جميع هذه الإرهاصات والكوارث والنكبات التي مر بها منذ 8 شباط 1963 ولحد الآن، وبالتأكيد لكان العراق الآن من الدول المتقدمة.

 إعلان عبد الكريم قاسم بعائدية الكويت إلى العراق تاريخياً
إن مطالبة الزعيم عبدالكريم قاسم بالكويت في هذا الظرف الحرج بالذات، حيث الصراع المحتدم مع الشركات النفطية الغاضبة عليه بسبب إصداره قانون رقم 80، يثير الكثير من التساؤلات المحيرة للعقل، خاصة وإن الزعيم كان معروفاً بخبرته العسكرية الفذة، ودرايته الإستراتيجية العالية، وأثبت ذكاءً في التعامل مع الأمور بمنتهى الحذر وتجنب المغامرات. كذلك نعرف أن الزعيم أرسل برقية تهنئة لأمير الكويت الشيخ عبدالله الصباح فور إعلان بريطانيا عن استقلال دولة الكويت، وتعهد العراق بدعم العملة الكويتية. فكيف والحالة هذه، غيَّر قاسم سياسته إزاء الكويت فجأة وأعلن المطالبة بالكويت؟


لقد طالب الملك غازي بالكويت نظرياً فقط، انتهى بموته في ظروف غامضة. وطالب عبدالكريم قاسم بالكويت ودون أن يحرك جندياً واحداً، انتهى به الأمر باغتياله بأبشع طريقة خسيسة، واغتيال الثورة وجمهورية تموز. وأخيرا غامر صدام حسين بغزو الكويت انتهى بحفرة وبدمار العراق. وهذه الحقيقة كان يعرفها الزعيم جيداً، إذ كان يعرف أن الغرب لا يمكن أن يتساهل في التحرش بالكويت. وهناك شهادة من السيد عبدالجبار محسن، المستشار الصحفي لصدام حسين، في لقاء تلفزيوني معه على فضائية (الشرقية)، تؤكد صحة هذا القول. إذ قال السيد عبدالجبار محسن، أنه لما سئل أحد وزراء عبدالكريم قاسم (لماذا لم تحتلوا الكويت؟)، فأجاب أنه كان بإمكانهم احتلال الكويت بكل سهولة وبالدرجات وليس بالدبابات، ولكن المشكلة أنهم كانوا يعلمون علم اليقين أنه ليس بإمكانهم الإحتفاظ بها بعد احتلالها، وذلك بسبب موقف الدول الغربية التي لا يمكن أن يتساهلوا في هكذا قضية خطيرة تتعلق بمصالحهم كاحتلال الكويت. هذه هي الحقيقة التي كان يعرفها عبدالكريم قاسم جيداً ولذلك لم يحرك جندياً واحداً نحو الكويت، لأنه كان يعرف النتيجة، وببساطة لم يكن جاداً بمطالبته.
إذنْ، لماذا أقدم الزعيم قاسم، وهو المعروف بحذره الشديد إزاء كل خطو يتخذها، على هذه المغامرة الخطيرة وأدعى بعائدية الكويت للعراق وهي مازالت دولة فتية تم الإعلان عن استقلالها، يريد تحويلها إلى مجرد قضاء تابع للبصرة ؟
مع اعترافي بأنه ليس لدي أي دليل مادي علمي لحل هذا اللغز سوى التخمينات والمناقشة العقلية النظرية لحل هذه العقدة المستعصية، والأمر متروك للقارئ أن يقبل بهذا التفسير أو يرفضه. أعتقد أن هناك وراء الأكمة ما وراءها، كما يقول المثل. فرغم أننا ضد نظرية المؤامرة المتفشية في أوساط شعوب الشرق الأوسط، إلا إن هذا لا يعني عدم وجود مؤامرات ودسائس وراء الكواليس لحسم الصراعات السياسية. فالسياسة بحد ذاتها سلسلة من الدسائس والمؤامرات الخفية بين الأطراف المتصارعة على المصالح، والعملية أشبه بلعبة الشطرنج، كل لاعب يخطط بدهاء للإيقاع بالخصم وإلحاق الهزيمة به. لذا فإني أعتقد أنه بعد أن عرضت الشركات النفطية عرضاً مغرياً على الزعيم عبدالكريم قاسم وهو عزمها على التخلي عن 90% من الأراضي له، ورفض الزعيم هذا العرض وأصدر بدلاً من ذلك، القانون رقم 80 الذي أثار غضب هذه الشركات، ومن ورائها غضب الحكومات والمخابرات الغربية، فليس مستبعداً أن عملت هذه الدوائر على دفع من يثق الزعيم به من وزرائه أو مستشاريه، لطرح فكرة المطالبة بالكويت عليه وتبريرها له على إنها مجرد لتخويف الشركات النفطية ونوع من التهديد لها بالسيطرة على نفط الكويت، وبذلك يمكن إرغام هذه الشركات على الإذعان والاستجابة لمطالب الزعيم.
وفي حالة إعلان الزعيم بالمطالبة بالكويت، ستتخذها الدوائر الغربية ذريعة للتأليب عليه والإنزال العسكري على حدود بلاده، وتقوم الحكومة الكويتية بدفع النفقات لشراء من يمكن شراءه في العراق من العسكريين والمدنيين من معارضي قاسم، وما أكثرهم، للقضاء عليه وعلى ثورته وحكومته ومشاريعه النفطية. كما وإن هناك دلائل مادية جئنا على ذكرها آنفاً، تؤكد دور هذه الشركات، وقيام السفير البريطاني في بغداد، والسفير الأمريكي في طهران، بجولات في كردستان، ولقاءاتهم بالأغوات الإقطاعيين من رؤساء العشائر الكردية المتضررين من قانون الإصلاح الزراعي، في تأليب الأكراد وإثارة الحركة الكردستانية ضد حكومة عبدالكريم قاسم، وخلق صراع دموي بين قاسم والأكراد. لذا نعتقد أن قانون رقم 80 هو سبب المطالبة بالكويت، وإثارة الحركة الكردية على حكومة قاسم، وهذه الأمور الثلاثة مترابطة بعضها ببعض.
وإذا كان غرض خبراء النفط العراقيين الذين قدموا نصيحة قاتلة للزعيم قاسم برفض عرض الشركات وكان موقفهم ناتج عن حسن نية، وبتأثير من شعارات الأحزاب الوطنية، فبالتأكيد كان غرض الذين نصحوه بإعلان عائدية الكويت للعراق هو عن سوء النية، ومغرضين، وبدفع من الجهات المستفيدة من هذه االنصيحة الشريرة والمهلكة. ومشكلة الزعيم قاسم هي عكس ما يتهمه خصومه، أنه لم يكن مستبداً برأيه، بل كان يستمع لمشورة وزرائه ومستشاريه، كما شهد بذلك وزير خارجيته، هاشم جواد للباحث حنا بطاطوا، كما مر بنا في فصل آخر من هذا الكتاب. لذا نعتقد أن إقدام الزعيم على إعلان عائدية الكويت للعراق كان فخاً نصبته له الدوائر الغربية بمنتهى الذكاء والدهاء والخبث، وعن طريق أناس مقربين إليه ويثق بهم. وأكاد أجزم أنه لم يكن الزعيم جاداً في تلك المطالبة، ولو كان جاداً لاحتلها كما فعل صدام حسين فيما بعد.
على أي حال، وإنصافاً للتاريخ، هناك بعض الحقائق الجديرة بالذكر، ومنها أن قاسم لم يحرك قواته لإحتلال الكويت بقيادة اللواء الركن حميد السيد حسين الحصونة كما أشيع في وقته. وقد أكد ذلك الزعيم نفسه في آخر مقابلة له مع مراسل صحيفة (اللوموند) الفرنسية في 5 شباط 1963، عندما سأله الأخير عن سبب عدم احتلاله للكويت، فأجاب بأنه ليس فاشستياً ليستعمل القوة ضد أي بلد عربي. فسارعت القوات البريطانية والعربية، بالإنزال في الكويت بعد 24 ساعة من هذا الإعلان، تماماً على النقيض مما حصل في عهد صدام حسين عندما هدد الكويت "بقطع الأعناق قبل قطع الأرزاق"، وحشد على حدودها أكثر من 300 ألف جندي من القوات العراقية، والأسلحة الهجومية الثقيلة، فلم تحرك الدول الغربية ساكناً إلا بعد أن تم الإحتلال في 2 آب 1990.
وهناك شهادات تثبت عدم أي تحرك عسكري من قبل قاسم ضد الكويت. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نورد هنا ثلاث شهادات:
الأولى من الأستاذ مرتضى الشيخ حسين فيقول ما يلي:
إن تشويه الحقائق بصورة متعمدة أو عفوية، يؤدي في كثير من الأحيان إلى مآسي دموية علاوة على سلبيات تاريخية واجتماعية… قضية تكليف عبدالكريم قاسم للواء السيد حميد السيد حسين الحصونة لإحتلال الكويت.. لي صداقة مع اللواء السيد حميد السيد حسين الحصونة (رحمه الله) وكان يزور برلين في السبعينات والثمانينات وهو ذو إطلاع واسع في أحداث العراق بحكم وظيفته وثقافته الإجتماعية، وسألته، وكان معي الشاعر العراقي السيد كاظم جواد (رحمه الله)... فبالنسبة لمقولة أن عبدالكريم قاسم كلف السيد حميد السيد حسين الحصونة بإحتلال الكويت وامتناع اللواء السيد حميد عن تنفيذ هذا الأمر العسكري، أجاب اللواء حميد حول ذلك قائلاً:
"إن هذا النبأ مجرد إشاعة كاذبة مضلِّلة دبرها الإنكليز للإنزال في الكويت أي ضد عبدالكريم قاسم الذي أطاح بحلف بغداد وتكالبت عليه جميع الأطراف من الداخل والخارج لتشويه حقيقته والإطاحة به. إن عبدالكريم قاسم لم يكلفني باحتلال الكويت ولو كلفني وامتنعتُ عن التنفيذ لفصلني لمخالفتي أمراً عسكرياً صارماً لا يجوز في الجيش مخالفته دون عقاب لمن يمتنع عن التنفيذ. ولو كان الأمر المذكور حقيقة، ولو أني خالفته لحق لعبدالكريم قاسم وهو قائد عسكري في أعلى السلطة أن يعاقبني بالفصل من الوظيفة وإناطة الأمر بإحتلال الكويت إلى غيري من قادة الجيش، وكل ذلك لم يتم وهو إشاعة مغرضة كما بينت.(11)
الشهادة الثانية وتأييداً لشهادة المرحوم مرتضى الشيخ حسين، نشر حديثاً على مواقع الانترنت يوم الأربعاء 19 أغسطس 2015، الدكتور ضرغام الدباغ (المستشار السابق في سفارة الجمهورية العراقية ببرلين/ألمانيا الديمقراطية، في السبعينات من القرن الماضي)، وصديق مقرب للواء الركن سيد حميد سيد حسين الحصونة، نشر شهادته في هذا الخصوص قال أنه سأل السيد حصونة مرة عن الأمر المزعوم الذي أصدره الزعيم باحتلال الكويت أجاب: "ثق يا أخي، وأقسم لك أن الزعيم لم يصدر مثل هذا الأمر، ولو أنه أصدره كيف لي وأنا العسكري منذ أول صباي أن أتمرد عليه ولا أنفذه، وكيف يقبل مني الزعيم هذا التمرد ولا يحاسبني عليه وهو القائد الفذ للقوات المسلحة. بل وبعد أن أنهيت خدمتي كقائد للفرقة الثالثة، نقلني إلى منصب محافظ ديالى، وأستمر على تقديره ومحبته لي."(12)

الشهادة الثالثة من الوزير السابق في حكومة عبدالكريم قاسم، الأستاذ حسن رفعت كما وردت في دراسة الحقوقي محمد عنوز التي نشرت في مجلة (الحقوقي) الصادرة في لندن، فيقول: ففي صبيحة يوم الجمعة 8 شباط 1963، سقطت الحكومة الأكثر وطنية ونزاهة في تاريخ العراق حتى يومنا هذا، الحكومة التي نالت مساندة قطاعات واسعة من الشعب العراقي، والتي رفض رئيس وزرائها الزعيم عبدالكريم قاسم معالجة تطورات القضية الكويتية ذات الأبعاد الدولية بوسيلة لا تنسجم مع مصلحة الشعب العراقي، وحقوقه في وحدة الشعب والأرض على أسس سليمة بعيدة عن العنف والتهديد بالقوة أو بإستخدامها، وفي ذات الوقت شدد على رفض السياسات الإستعمارية التي مارستها الدول الكبرى خصوصاً بريطانيا العظمى، ومثل هذا الموقف يعرفه كل منصف، بكونه من حقائق التاريخ التي ليس من السهل تجاوزها، ومما يذكر بهذا الشأن حضور عبدالكريم قاسم، ومباشرة بعد المؤتمر الصحفي، مأدبة العشاء التي أقامها رئيس أركان الجيش بداره ودعي إليها أعضاء مجلس الوزراء. وكنت واحداً منهم (حسن رفعت)- ومجلس الدفاع الوطني، وإثناءها تمت مناقشة ما جرى في المؤتمر الصحفي وما يجب عمله في المرحلة القادمة، ولم يجر خلال المناقشة والأحاديث طرح الحل العسكري إطلاقاً، إذ كان قد استبعد أصلاً، وكل الإقتراحات التي وضعت على الطاولة كانت تهدف كيفية التحرك السياسي والإعلامي محلياً ودولياً، وكيفية إيجاد صيغة للتفاهم والحوار، ولكن ردود الفعل للإنفعالات غير الموزونة وغير المدروسة لبعض الجهات والمحركة من بعض الأطراف..ولطموحات شخصية، كلها أدت لعرقلة وتأخير المبادرات الهادئة والإيجابية التي كانت تجري وبصورة سرية بين مختلف الفرقاء وبإستمرار لدراسة إمكانية إيجاد صيغة عملية وواقعية خروجاً من وسط زوبعة أثارتها الأوساط العربية والعالمية"(13)

القضية الكردية
لعبت القضية الكردية دوراً بارزاً في إسقاط حكومة عبدالكريم قاسم، رغم أن الثورة قد أكدت في المادة الثالثة من دستورها المؤقت على أن "العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية" وهي خطوة لم تكن موجودة في القانون الأساسي الذي ألغي في 14 تموز 1958. وشرحنا ذلك بالتفصيل في الفصل السابع الخاص بثورة تموز والحركة الكردية.

 إفراط قاسم في التسامح مع الخصوم
عُرف الزعيم عبدالكريم قاسم بمقولات مثل (عفا الله عما سلف)، و(الرحمة فوق القانون)، و(العفو عند المقدرة) ..الخ، ليس قولاً فحسب، وإنما طبقها عملياً مما يعتبره البعض أحد أسباب نهاية حكمه. ويقول الدكتور علي كريم سعيد: "واعتقد أن تسامح قاسم وعدم إستخدامه التعذيب الوحشي والقسوة ومعاقبة الزوجة والأطفال والإخوان… الخ، مما مارسته الحكومات التالية، ساعد البعثيين في تنفيذ خطتهم ضده. ولم يكن قاسم وحده يعرف بوجود حركة يخطط لها ضد نظامه، بل علم بذلك مجلس الوزراء بكامله وعدد من المهتمين. فقد حدثتني الدكتورة مي الأوقاتي، أن خالها هاشم جواد (وزير خارجية قاسم) أخبرهم أن مجلس الوزراء بحضور قاسم أُعلم أكثر من مرة بمحاولة [انقلابية] سيقوم بها بعثيون. ولم يكن صعباً على السلطة جمع مائة بعثي في بغداد وتعذيبهم وقتل من لا يعترف منهم لتصل إلى النتائج التي تريدها. لكن حكومة قاسم لم تفكر بمثل تلك الأعمال تحت أية ظروف أو ضغوط، لأن أكثر أعضائها سياسيون أحرار غير مقيدين بآيديولوجيا تقول لهم: إن إرادة الكون والتاريخ تقف معهم، وأن عليهم من أجل سعادة الملايين التضحية بمئات الأشخاص."(14)
وكان قاسم أول زعيم عراقي يبشر بروح التسامح في المجتمع العراقي الذي تشرب بمفاهيم العنف والثأر والإنتقام طيلة تاريخه. وكانت دعوة التسامح بادرة غير مألوفة في العراق. وصارت مقولات الزعيم يرددها حتى الأطفال بعد مشاجراتهم وتصالحهم. وكان الزعيم يُلغي أغلب العقوبات التي تصدرها المحاكم بحق أعداء الثورة، حتى كثرت شكاوى وتذمر القضاة وقولهم: "ما الفائدة من إصدار أحكام بمعاقبة هؤلاء وبعد أيام يلغيها الزعيم". وكانت الجماهير تطالبه بهتافات مثل: (إعدم إعدم) وهو يغضب على الهاتفين فيصرخ فيهم: أطلبوا أي شيء إلا هذا. أطلبوا فتح مدارس ومستشفيات وإعمار البلاد ..الخ. وقد عفا حتى عن الذين قاموا بمحاولة إغتياله، مما شجع خصومه على الإمعان في التآمر عليه لعلمهم أنه سيعفو عنهم في حالة فشلهم.

الثقة العالية بالنفس والاستهانة بقوة الخصوم
رغم إن الثقة بالنفس من الأمور المحمودة في القائد، أو أي شخص آخر، إلا إنها إذا تجاوزت حدها فتنقلب إلى الضد، إذ إنها ستؤدي إلى الإستهانة بقوة الخصوم، وما تسببه من عواقب وخيمة. وكان قاسم يعتقد بأنه لا يمكن أن يكتب النجاح لأية مؤامرة ضده لإعتماده على شعبيته الواسعة، وخطأه القاتل في حسن نوايا الآخرين، وظنه الخاطئ بأن خصومه من الضباط كانوا مجرد شباب مغرر بهم وسوف يعودون إلى رشدهم ويندمون، خاصة وأن معظمهم كانوا من تلامذته في الكلية العسكرية وكلية الأركان وقد لقنهم مبادئ الوطنية إثناء تدريسه لهم، وكانوا من المعجبين به قبل الثورة، وأيدوه بعدها، فلا يمكن أن يخونوه ويفرطوا بمصلحة الوطن إلى هذه الدرجة الخطيرة حسب اعتقاده، ولأنه كان يعلم مدى الدمار الذي سيحل بالعراق وشعبه في حالة اغتياله. ولعلمه أيضاً أن القوى السياسية كانت متناحرة، وكان هو وحده يمثل القاسم المشترك الذي يمكن أن يحافظ على توازن الصراع ويلتقوا حوله لمنع هذا الدمار والإنتقام من بعضهم البعض. لذلك لم يخطر بباله قط أن خصومه سيفرطون بمصلحة الوطن ويخاطرون بكل شيء من أجل نزوات شخصية مؤقتة ورغبة جامحة في الحكم.
ومما يؤكد هذه الفرضية، هو حصوله على قائمة بأسماء المتآمرين قبل وقوع الإنقلاب بأيام. ولكنه مع ذلك تركهم طلقاء، عطفاً عليهم، ليحتفلوا بعيد الفطر مع عائلاتهم على حد قوله، وأنه سوف يقبض عليهم وهم متلبسين بالجرم المشهود.
أما بخصوص بعض الإعدامات التي حصلت في عهده، وخاصة من القوميين بعد مؤامرة الشواف في الموصل، فكما ذكرنا في الفصول السابقة من هذا الكتاب، كان الزعيم قاسم يزورهم في معتقلاتهم ويتوسل إليهم أن يقولوا الحقيقة في المحكمة ودور العربية المتحدة فيها، والتي كانت معروفة للجميع، وسوف يعفي عنهم، ولكنهم أصروا على مواقفهم.

موضوعة مجلس قيادة الثورة وتمديد فترة الإنتقال
يعتقد بعض النقاد إن عدم تشكيل مجلس قيادة الثورة، وإطالة فترة الإنتقال، وعدم إجراء الإنتخابات البرلمانية، وإصدار الدستور الدائم، هو المسئول عن سقوطه والإطاحة بالثورة. لا شك أن هذه الإعتراضات مشروعة ولكنها تحتاج إلى مناقشة ولو بإيجاز. أرى انه من السذاجة الإعتقاد بأنه لو نفذ قاسم هذه الأمور الثلاثة لما حصل ما حصل وأنقذ العراق من المجزرة التي خططتها له الدوائر الغربية لإعادة الحصان الجامح إلى حظيرة الإمبريالية. ولنتناول هذه الإعتراضات الثلاثة بالترتيب:

مجلس قيادة الثورة
يعتقد البعض وخاصة من التيار القومي العربي، أنه لم تم تأسيس مجلس قيادة الثورة لما حصلت الصراعات الدموية وما نتج عنها من مآسي. أعتقد هذا خطأ لأن إنقلاب 8 شباط وجميع الإنقلابات التي تلته، كان هناك مجلس قيادة الثورة، ولحد الآن يوجد هذا المجلس "العتيد!" في العراق. فهل أدى هذا إلى خلاص العراق من الانقلابات العسكرية وحكم الدكتاتوريين العسكريين والمدنيين؟ العكس هو الصحيح. لأن معظم الإنقلابيين كان هدفهم السلطة وليس أي شيء آخر.
ومع ذلك يذكر اللواء فؤاد عارف في كتابه، والذي كان حاضراً إثناء محاولة عبدالسلام عارف إغتيال عبد الكريم قاسم في مكتبه فقال الزعيم مخاطباً عارف: "مو كلنالك شكِّل مجلس قيادة الثورة" أي قلنا لك أن نشكل مجلس قيادة الثورة. فرد عبدالسلام: "ليش آني أسوي ثورة وانطيها الغيري". أي هل من الإنصاف أن أقوم أنا بالثورة وأسلمها إلى الآخرين. وهذا دليل على أن قاسماً لم يكن ضد تشكيل مجلس قيادة الثورة بالأساس وإنما عارف هو الذي مانع في ذلك. ومع ذلك نعتقد أن عدم تشكيل هذا المجلس لم يكن السبب في إغتيال الثورة كما ذكرنا أعلاه.

حصر فترة الإنتقال لسنة واحدة
(جئنا على هذا الموضوع في الفصل الخامس بإيجاز، ونعيده هنا بشيء من التفصيل لإكمال الصورة)
يعتقد آخرون وخاصة من التيار اليساري والوطني الديمقراطي، أنه لو اختزل قاسم الفترة الإنتقالية لسنة واحدة، وأصدر الدستور الدائم، وسمح بإجراء الإنتخابات البرلمانية والرئاسية، لسد الطريق على الإنقلابات اللاحقة. نحن نحاسب عبدالكريم قاسم لعدم إجرائه الإنتخابات البرلمانية المبكرة وتسليمه السلطة للمدنيين، وكما ذكرنا سلفاً، نتمنى لو فعل ذلك، كما فعل اللواء عبد الرحمن سوار الذهب في السودان الذي أنقذ البلاد من حكم النميري الفاسد، وبعد عام سلم الحكم للمدنيين بعد إجراء إنتخابات برلمانية حرة وعادلة. لكن هل نجت حكومة الصادق المهدي المنتخبة من بطش العسكريين؟
على أي حال، فالكل يعرف مدى شعبية عبدالكريم قاسم بعد الثورة، وكذلك شعبية الحزب الشيوعي عام 1959. فلو أجريت الإنتخابات الرئاسية، لم يكن هناك أدنى شك من أن قاسماً كان يحقق فوزاً ساحقاً لنفسه كرئيس للجمهورية، ولم يكن أي خطر في ذلك. ولكن الخطر فيما لو أجريت الإنتخابات البرلمانية بعد عام من الثورة بصورة حرة ونزيهة أي بعد 14 تموز عام 1959؟ لا شك أن حقق الشيوعيون نصراً كبيراً في هذه الإنتخابات، إذ كانوا يتمتعون بشعبية واسعة في فترة أطلق عليها بـ"المد الأحمر"، ومن المؤكد أنهم كانون سيفوزون بأكثر من 50 بالمائة من مقاعد البرلمان على أقل تقدير. وهذا الإحتمال كان بمثابة الكابوس الذي أقض مضاجع القوى الرجعية في الداخل، والدول الإقليمية والغربية في الخارج. كما ويجب أن لا نغالط أنفسنا، ففي تلك المرحلة لم يكن هناك أي إحترام أو إعتبار للديمقراطية وحق الشعب في إختيار حكامه. وعليه وبفوز الشيوعيين وسيطرتهم على البرلمان لحصل إنقلاب عسكري دموي ضدهم كما حصل لحكومة محمد مصدق في إيران عام 1952 بإنقلاب عسكري بقيادة الجنرال زاهدي، وفي شيلي بعد فوز قوى اليسار بقيادة سيلفادور الليندي عام 1973، التي أغتيلت بإنقلاب عسكري دموي قاده الجنرال بينوشيه، وحصل الشيء ذاته في بلدان أخرى مثل باكستان ضد حكومة علي بوتو، وفي إندونيسيا ضد حكومة أحمد سوكارنو. وجميع هذه الإنقلابات كانت بتدبير المخابرات الأمريكية (CIA). فالديمقراطية لم تكن محترمة من قبل العسكريين والأحزاب الآيديولوجية التي كانت تعتبر الديمقراطية فكرة غربية تستفيد منها القوى الإمبريالية، وكانت هذه القوى تقدس العنف الثوري كما هو معروف. طبعاً لم يكن الخوف من فوز الشيوعيين هو الذي منع إجراء الإنتخابات، وإنما الصراعات الدموية هي التي أدت إلى ذلك، ولو أجريت الإنتخابات في تلك الأجواء الصاخبة لسالت الدماء ودون أن يحترم نتائجها أحد. لذلك أعتقد أن تمديد فترة الإنتقال كان أمراً لا بد منه إلى أن تستقر الأوضاع.
ومع ذلك وبعد أربعة أعوام من الثورة حصل شيء من الإستقرار، وكما تؤكد معظم المصادر، أن عبدالكريم قاسم كان قد شكل لجنة من المتضلعين بالقانون برئاسة الأستاذ حسين جميل لكتابة الدستور الدائم في نهاية عام 1962 وعزم على إجراء الإنتخابات البرلمانية في حزيران 1963 وافتتاح المجلس الوطني في الذكرى الخامسة لثورة 14 تموز، فعاجله التيار القومي العربي بإنقلابهم في 8 شباط 1963 لمنع الإنتخابات البرلمانية، ولعلمهم الأكيد أنهم سوف لن يحققوا أي نجاح في هذه الإنتخابات، ولأنهم كانوا يخططون للإنفراد بالسلطة ولن يتحقق لهم ذلك إلا عن طريق إنقلاب عسكري، وهذا ما حصل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
11- مرتضى الشيخ حسين، صحيفة (العراق الحر) اللندنية، في عددها 187، الصادر يوم الأربعاء 9/1/2002.

12-د. ضرغام الدباغ: لقاءات مع ثلاثة قادة في الجيش العراقي
 
http://alhadathpcnews.net/new/?p=16464
13- محمد عنوز، مجلة الحقوقي، العدد 6، أكتوبر 2001، لندن، ص13-131، نقلاً عن مذكرات حسن رفعت، الملف العراقي العدد 56 السنة 1996..
13- علي كريم سيعد، عراق 8 شباط 1963، دار الكنوز الأدبية-بيروت، 1999، ص58..


2311 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
 عودة إلى مقال: الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ(2-2)
 توضيح لا بد منه (نشرتُ هذا المقال قبل عشرة أعوام على حلقتين، وأثار في وقته جدلاً بين الكتاب الإسلاميين والعلمانيين. وبمناسبة عزم البرلمان العراقي تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، بتطبيق الشريعة الإسلامية المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant