إبحث في الموقع  
الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين الموقع الشخصي للدكتور عبدالخالق حسين
 

العراقي المغترب وحلم العودة.. هل ثمة ما يغري؟*

أرسل إلى صديق ارسل لصديقك نسخة للطباعة اطبع


مقابلة صحفية إعداد ابتسام يوسف الطاهر

* ظروف التغرب.. من الدراسة الى الإقامة
الدكتور عبدالخالق حسين أمدني مشكورا، بأجوبته ووجهات نظره القيمة والصريحة في هذا الأمر، والتي تعبر عن حالة صادقة ومؤلمة بنفس الوقت. كما هو الحال بالنسبة للكثير من العراقيين الذين تغربوا في تلك المرحلة الظلامية. لعل البعض ممن يحن للماضي الاكثر ظلاما يفتح ضميره وعينيه ويفكر في عراق اليوم، ويقف بوجه كل من يعمل لجعل الحياة هناك أكثر حلكة وألما، وعن تجربة الدكتور في الغربة وظروف التغرب، قال:

جزيل الشكر على استفتائكم لرأيي عن تجربتي مع الغربة.
بدأت حياتي لأول مرة مع الغربة عندما غادرت العراق متوجهاً إلى بريطانيا يوم 5/1/1979 بغرض إكمال تدريبي في الجراحة ونيل شهادة الزمالة (FRCS) من إحدى الكليات الملكية البريطانية للجراحين وعلى نفقتي الخاصة. وقبل المغادرة كنت أعاني من مضايقات من حزب البعث الحاكم، إذ كنت منتمياً إلى اليسار ورفضت محاولات التبعيث. كما وظهر لي فيما بعد أن الحزب اليساري هذا كان ملغوماً بالبعثيين ويعرفون كل شيء عن أعضائه. ولم يدر بخلدي أني سأقضي ما تبقى من عمري في الغربة.

أتذكر في الليلة التي سبقت يوم سفري مع عائلتي، زارني مدير المستشفى في البيت ليودعني، وكان بعثياً رغماً عنه، ولكنه كان نظيفاً ونبيلاً لأنه كان من عائلة يسارية دفعت الكثير. فودعني بحرارة ونصحني بعدم العودة. ولا يمكن أن أنسى كلماته التي مازالت ترن في أذني حين قال: "روح إطلع وتصحبك السلامة، وأنصحك أن لا تعود إلى العراق حتى ولو اضطررت أن تعمل كصانع مطعم. وإذا رفضتْ بريطانيا منحك حق الإقامة فارحل إلى إسرائيل ولا تعد إلى العراق، لأن إسرائيل أشرف من حكم البعث بكثير... فإنهم (أي البعثيون)، يخططون لحرق العراق وإذلال شعبه وتدميره عن آخره". وحكى لي نماذج فظيعة تعرض لها عدد من أقاربه ومعارفه على أيدي البعثيين. فشكرته على ثقته الغالية بي ونصائحه الأخوية الصادقة.

وفي بريطانيا بعد عبوري امتحان تعادل الشهادات واللغة، عملت في الجراحة. ثم نلت شهادة التخصص (FRCS) بعد عام، ولم استطع العودة لأسباب معروفة منها ما حصل في العراق من طغيان البعث الصدامي، وظروف الحرب العراقية- الإيرانية. وكنا ننتظر الفرج لكي نعود ولكن كان الوضع في العراق يتدهور مع الزمن أكثر فأكثر، إلى حد أن بدأت موجات هجرة العراقيين تتدفق إلى الخارج بأعداد غفيرة غير مسبوقة وخاصة بعد غزو الكويت. لذلك كانت فكرة العودة غير حكيمة أو مستحيلة، لذا بقيت في بريطانيا التي عملت في مستشفياتها معززاً ومكرماً حتى التقاعد.

ظروفي في الغربة مريحة من جميع النواحي: العائلية، والسكن، والراتب التقاعدي، والمنطقة التي أسكن فيها، والعلاقات الاجتماعية...الخ. ينقل عن الإمام علي (ع) قوله: "الغني فى الغربة وطن .. والفقر فى الوطن غربة". ورغم أني لم أعاني من الفقر المادي في العراق قبل الهجرة، إلا إني كنت أشعر بالغربة والاغتراب لأن المواطنة في عهد البعث كانت على درجات مختلفة ومتفاوتة حسب الانتماء الحزبي والمذهبي والقبلي، والقرب أو البعد من المكونات الحاكمة.

* هل تفكر بالعودة؟ هل جربتها؟
- كلا لا أفكر بالعودة، ولم أجربها ولا أريد أن أجربها أو بالأحرى لا يمكن أن أجربها!!. فعراقيو الخارج لا يحتاجون إلى إثبات وطنيتهم وانتمائهم للعراق بالعيش فيه، لأن العراق يعيش فيهم ورغم بعدهم عنه بآلاف الأميال ولعشرات السنين. لا أعود لأسباب عديدة، منها أني غادرت العراق قبل 35 سنة، ونشأ أبنائي ودرسوا وبلغوا سن الرشد في بريطانيا، ويعملون فيها مرتاحين. وأنا بلغت عمراً غير قابل للتوظيف، ولا أملك في العراق أي سكن أو حتى قطعة أرض لبناء سكن، ولا أي مورد للعيش، ولا راتب تقاعدي رغم أني عملت في العراق نحو عشر سنوات، ودفعت جميع تكاليف دراستي، بما فيها كفالة العودة عند السفر ومقدارها ألفين دينار عندما كان الدينار يعادل 3.5 دولار.
لم أجرب العودة عدا أني قمت بزيارة قصيرة إلى بغداد لخمسة أيام فقط في نهاية عام 2009، بدعوة من وزارة الدولة لشؤون المصالحة الوطنية للمشاركة في ملتقى فكري.

* هل تفكر بالاستقرار في العراق؟ ولماذا لا يحصل ذلك الآن؟ وما هي الظروف التي تشجع العراقي على العودة لخدمة الوطن!؟
- كما ذكرت آنفاً، لا أفكر بالعودة إلى العراق لكي أستقر فيه، فأنا مستقر في بريطانيا، خاصة وإن جميع وسائل معيشتي متوفرة لي هنا في الغربة. والجدير بالذكر أن سبب هجرة الناس الآن من دول العالم الثالث إلى دول العالم الأول هو ليس الاضطهاد السياسي فقط، بل هناك أسباب كثيرة أخرى، منها الأمن والاستقرار، وسيادة حكم القانون، والديمقراطية، واحترام حرية الفرد وكرامته...الخ. بينما هذه المتطلبات الحضارية مفقودة في معظم بلدان العالم الثالث ومنها العراق. والخراب المادي والبشري الذي ورثه النظام العراقي الجديد من حكم البعث لا يمكن علاجه والتخلص منه بجيل أو جيلين. لذلك، لا أبالغ إذا قلت أن أمنية معظم سكان العالم الثالث، ومنه العراق، هي الهجرة إلى الغرب، خاصة إذا كان من أصحاب الكفاءات.

الأسباب التي تمنع العراقيين من العودة كثيرة، منها لأننا نعيش في مرحلة العولمة وما بعد الحداثة، حيث كل إنسان مهتم بشأنه الخاص قبل أي شيء آخر. فأنا طبيب جراح متقاعد مقييم في بريطانيا نحو 35 سنة، معززاً ومكرماً، ولا أملك في العراق أي شيء، ليست لي أية طموحات في المناصب أو الوظائف، خاصة وإن فلول البعث لم يكتفوا بإثارة الفتن والأحقاد والتمييز بين أبناء الشعب الواحد على أسس طائفية وعرقية فحسب، بل راحوا يؤلبون عراقيي الداخل ضد ضد عراقيي الخارج ويثيرون العداء ضدهم، وينظرون إليهم نظرة الريبة والشك والاتهامات، فلماذا أجازف بالعودة إلى العراق؟ فالبعث ترك العراق خرابة حقيقية، وشعبه مصاب بألف علة وعلة.
لذلك، لا أعتقد أن أي عراقي مستقر في الغرب سيعود إلى العراق. وحتى كردستان التي يعتبرونها مستقرة وصارت هونكونك العراق، مازال هناك مواطنون أكراد يهاجرون منها إلى الدول الغربية بحثاً عن حياة أفضل لهم ولأبنائهم. وحتى حكومة الإقليم طالبت الحكومات الغربية بعدم إجبار الأكراد المهاجرين على العودة.
ومن كل ما تقدم نعرف أن سبب عدم العودة إلى العراق هو ليس الاضطهاد السياسي، بل مجمل الأوضاع المحلية والدولية، وبعيداً عن المزايدات في الوطنية أقول: الذين استقروا في الدول الغربية وكسبوا جنسياتها لن يعودوا إلى العراق وحتى لو استقر الوضع فيه وتخلص من الارهاب والصراعات الطائفية المقيتة.
ومن الجانب الآخر، أرى فائدة كبيرة للعراق أن تكون له جاليات واسعة في الدول الغربية المتقدمة وخاصة من أصحاب الكفاءات. فهذه الجاليات تشكل جسراً يربط الدول الغربية المتطورة بالعراق الذي يحتاج إلى إعادة بناء وتعافيه من الإرث البعثي المدمر.
وشكراً.
عبدالخالق حسين
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت هذه المقابلة، مع شخصيات عراقية أخرى في الغربة، في صحيفة (الصباح الجديد) البغدادية يوم 24/8/2013، من إعداد الإعلامية ابتسام يوسف الطاهر. للإطلاع على المقابلة كاملة يرجى فتح الرابط التالي:
العراقي المغترب وحلم العودة.. هل ثمة ما يغري؟
http://www.newsabah.com/ar/2649/10/102080/ط§ظ„ط¹ط±ط§ظ‚ظٹ-ط§ظ„ظ…ط؛طھط±ط¨-ظˆط­ظ„ظ…-ط§ظ„ط¹ظˆط¯ط©-ظ‡ظ„-ط«ظ…ط©-ظ…ط§-ظٹط؛ط±ظٹطں.htm?tpl=13


3515 عدد مرات القراءه

 
آخر مقالاتي
داعش تفجر جامع النوري في الموصل
  أقدمت القوى الظلامية البعثية الداعشية على جريمة أخرى تضاف إلى القائمة الطويلة من جرائمها بحق الشعب العراقي والإنسانية، والرموز التاريخية والمعالم الحضارية. وآخر جريمة قام بها تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش)، هي جريمة المزيد
غاليري الصور
 
جميع الحقوق محفوظة للدكتور عبدالخالق حسين ©
Powered & Developed by: TRE-CMS - The Red Elephant Content Management System The Red Elephant